ولذلك نجد أن الدين الصحيح ضد الأنانية الحمقاء ، ويُعْلي فيك الأنانية العاقلة بأن يجعلك تحب نفسك حباً أعلى . فأنت حين تتصدق تحب نفسك ، ولذلك تريد أن تعطيها الأعلى والأنفع . فظاهر الأمر أنك أعطيت ، وفي حقيقته أنك قد أخذت . وأنت حين تعطي إنساناً مساوياً لك كأن تقدم له هدية في مناسبة معينة ، تنتظر أن يرد إليك الهدية بمثلها في مناسبة أخرى . إذن: فالعطاء مُتَساوٍ ، وقد يرد هذا الإنسان الهدية ، وقد لا يردها . وقد ينوي ردها ولكن تصادفه ظروف لا تُمكِّنه من أن يردها لك . لكن الحق سبحانه يقول: {مَّن ذَا الذي يُقْرِضُ الله قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً ...} [البقرة: 245] .
إذن: فحينما تعطي ابتغاء وجه الله فأنت لا تحصل على عطاء مُسَاوٍ لما أعطيت . لكنك تحصل على عطاء مضاعف أضعافاً مضاعفة . والذي يعطيك الثواب هو الله سبحانه وتعالى دائم الوجود ، ولن ينفد عطاؤه لك ؛ لأنه دائم القدرة ، ولن يأتي عليه وقت يكون غير قادر على أن يرد لك ما أعطيت ؛ لأن عنده كنوز السماوات والأرض ؛ وهو سبحانه قادر على أن يضاعف لك مهما كانت قيمة عطائك . فإن فضَّلْتَ الحياة الدنيا على الآخرة ، فأنت تقيس بمقاييس الكمال عندك وهي مقاييس ساقطة وهابطة ، ولو كنت تملك المقياس الصحيح لعرفتَ أن الذي يحقق لك النفع الأكبر هو أن تعطي وتعمل طلباً للآخرة وليس للدنيا . ولذلك فالحق سبحانه يقول هنا: {أَرَضِيتُمْ بالحياة الدنيا مِنَ الآخرة} أي: أنكم أردتم الحياة الدنيا بدل الآخرة . وهذه مقارنة غير عاقلة وغير حكيمة .