ولكن الشيطان لا يريد منك ذلك ، إنه يريدك مخالفاً لمنهج الله على أي لون ، فإذا استعصى عليه أن يجذبك إلى المال الحرام ، فهو يزين لك شهوة النساء ، فإذا فشل جاء من ناحية الخمر . إذن: فهو يريدك عاصياً بأي معصية ، ولكن النفس تريدك عاصياً بنفس المعصية التي تشتهيها . وهذا هو الفرق .
وهكذا نعرف أن هناك واقعين ، واقعاً يدعو المؤمنين إلى قتال الكفار الذين يفسدون منهج الله في الأرض ، وواقعاً يدعوهم إلى أن يتثاقلوا عن هذا القتال ، وذلك إما بسبب حب الدنيا لتحقيق شهوة النفس أو إغراء الشيطان ، ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى: {أَرَضِيتُمْ بالحياة الدنيا مِنَ الآخرة} والرضا هو حب القلب ، فيقال: فلان رَاضٍ لأنه مسرور بالحال الذي هو فيه .
ومعنى تثاقل المؤمنين عن القتال في سبيل الله ، أن هناك شيئاً قد غلب شيئاً آخر في داخل نفوسهم ، فالرضا بالحياة الدنيا قد تغلَّبَ على حب الآخرة . ولكن المنطق الإيماني يقول: إنه إذا كان هناك أمر آخر غير الدنيا ، أو حياة أخرى غير حياتنا الدنيوية ، فلا بد أن نقارن بين ما تعطيه الدنيا وبين ما تعطيه الآخرة ، فإذا رضينا بما تقدمه لنا هذه الحياة المادية ، يكون المؤمن بلا طموح وبلا ذكاء ؛ لأنه رضي بمتاع قليل زائل وترك متاعاً أبدياً ممتداً بقدرة الله .
وأنت لو نظرت إلى الدنيا نظرة فاحصة ، تجد أنها متغيرة متبدلة ، فالصحيح يصبح مريضاً ، والغني يصبح فقيراً ، والقوي يصبح ضعيفاً .
إذن: فمتاع الدنيا متغير ولا عصمة لك فيه ، وأنت لا تستطيع أن تعصم نفسك من المرض أو من الضعف أو من الفقر ؛ لأن هذه كلها أغيار تحكمك ولا تحكمها أنت ؛ تقهرك ولا تستطيع أنت أن تقهرها . فإن رضيت بمتاع الدنيا اليوم فأنت لا تضمن استمراره إلى غد .