وقول الحق سبحانه: {انفروا} يدل على الاستفزاز المستمر من الكفار للمؤمنين . ويقول الحق تعالى: {مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفروا فِي سَبِيلِ الله اثاقلتم} .
والثقل معناه: أن كتلة الشيء تكون زائدة على قدرة من يحمله ، فإن قلت: إن هذا الشيء ثقيل فهذا يعني أن وزنه مثلاً أكبر من قوة عضلاتك فلا تستطيع أن تحمله . أما التثاقل فهو عدم موافقة الشيء لطبيعة التكوين . كأن تقول: فلان ثقيل أي أن وزنه ضخم ولا يستطيع أن يقوم من مكانه إلا بصعوبة ، ولا أن يتحرك إلا بمشقة .
ولكن التثاقل معناه تكلف المشقة ، أي: لك قدرة على الفعل ، ولكنك تتصنع أنك غير قادر ، كأن يكون هناك - على سبيل المثال - شيء وزنه رطل ، ثم تدَّعي أنه ثقيل عليك ولا تستطيع أن تحمله .
إذن: فقوله تعالى: {اثاقلتم إِلَى الأرض} أي: تكلفتم الثقل بدون حقيقة ، فأنتم عندكم قدرة على القتال ولكنكم تظاهرتم بأن لا قدرة لكم .
وهكذا نعرف أن الموقف يقتضي النفرة ليواجهوا الكفر ؛ لأن المنهج الذي ارتضوه لأنفسهم والتزموا به يحقق السلامة والأمن والاطمئنان لهم ولغيرهم ، وكأن التثاقل إلى الأرض له مقابل ، فالنفرة تكون في سبيل الله ، والمقابل في سبيل الشيطان أو في سبيل شهوات النفس .
لقد تحدث العلماء في المسائل التي تجعل الإنسان يُقبِلُ على المعصية ، وهي النفس التي تُحدِّث الإنسان بشيء ، فالإنسان يقبل على المعصية بهذين العاملين فقط . فما الفرق بين الاثنين؟ وكيف يتعرف الإنسان على ذلك؟ قال العلماء: إذا كانت النفس تُلحُّ عليك أن تفعل معصية بعينها بحيث إذا صرفتها عنها عادت تُلِحُّ عليك لاقتراف نفس المعصية لتحقق متعة عاجلة ، فهذا إلحاح من النفس الأمَّارة بالسوء .