ويتعجب الحق سبحانه هنا من تثاقل المؤمنين حين يُدْعَوْنَ إلى القتال ؛ لأن قوة الإيمان تدعو دائماً إلى أن يكون هناك استعداد مستمر للقتال ، وهذا الاستعداد يخيف الكفار ويمنع عدوانهم واستهتارهم بالمؤمنين أولاً ، كما أنه ثانياً يجعل المؤمنين قادرين على الرد والردع في أي وقت . ويعطي ثالثاً شيئاً من اليقين للمجتمع المؤمن عندما يرى أن هناك من يضرب على يد الكافرين إذا استهانوا بمجتمع الإيمان وحاولوا أن يستذلوا المؤمنين .
إذن: فَلِكَيْ يبقى المجتمع المؤمن قوياً وآمناً ؛ لا بد أن يوجد استعداد دائم للقتال في سبيل الله ورغبة في الشهادة ، وهنا يقول الحق: {مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفروا فِي سَبِيلِ الله} فكأن الاستعداد المستمر للقتال في سبيل الله أمر لا بد أن يوجد بالفطرة وبالعقل ، فإذا ضَعُفَ هذا الاستعداد أو قَلَّ صار هذا الأمر موطناً للتعجب ؛ لأن المؤمنين يعرفون أن مجتمع الكفر يتربص بهم دائماً ، وعليهم أن يكونوا على استعداد دائم مستمر للمواجهة ، ويستنكر الحق أن يتثاقل المؤمنون إذا دُعُوا للقتال في سبيل الله أو أن يتكاسلوا .
وقوله سبحانه: {انفروا} من"النفرة"وهي الخروج إلى أمر يهيج استقرار الإنسان ، فحين يكون الإنسان جالساً في مكانه ، قد يأتي أمر يهيجه فيقوم ليفعل ما يتناسب مع الأمر المهيج ، فأنت مثلاً إذا رأيت إنساناً سيسقط في بئر ، فهذا الأمر يهيجك ، فتنطلق من مكانك لتجذبه بعيداً ، ومنه النُّفْره التي تحدث بين الأحباب الذين يعيشون في وُدٍّ دائم ، وقد يحدث بينهم أمر يُحوِّل هذا الود إلى جَفْوة .
إذن: فكلمة {انفروا} تدل على الخروج إلى أمر مهيج ، وهو المنطق الطبيعي الذي يجب أن يكون ؛ لأن عمل الكفار يهيج المؤمنين على مواجهتهم .