إذن: فنحن نصوم لأن الله فرض علينا الصوم ، وما دام الله قد قال فسبب التنفيذ هو أن القول صادر من الله سبحانه ، ولا شيء غير ذلك ، فإذا ظهرت حكمة التكليف فإنها تزيدنا إيماناً ، مثلما ثبت ضرر لحم الخنزير بالنسبة للإنسان ؛ لأن لحم الخنزير مليء بالميكروبات والجراثيم التي يأكلها مع القمامة ، ونحن لا نمتنع عن أكل لحم الخنزير لهذا السبب ، بل نمتنع عن أكله لأن الله قد أمرنا بذلك ، ولو أن هذه الحكمة لم يكشف عنها الطب ما قَلَّلَ هذا من اقتناعنا بعدم أكل لحم الخنزير ؛ لأننا نأخذ التكليف من الله ، وليس من أي مصدر آخر .
ونعود إلى خواطرنا حول الآية الكريمة: {يا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفروا فِي سَبِيلِ الله اثاقلتم إِلَى الأرض} ، ونجد كلمة: {مَا لَكُمْ} تأتي حين نتعجب من حال لا يتفق مع حال ، وكأن حرب المؤمنين للكفار أمر متوقع وتقتضيه الحال ؛ لأن المؤمنين حين يقاتلون الكفار إنما يدخلون شيئاً من اليقين على أهل الاستقامة ، فأهل الاستقامة إن لم يجدوا من يضرب على أيدي الكافرين فقد ينحرف على أيدي الكفار ، فإنه بفعله هذا يربب في المؤمن إيمانه ؛ لأنه يرى عدوه وهو يتلقى النكال . كأن تقول للتلميذ: ما لك تهمل في مذاكرتك وقد قَرُبَ الامتحان؟ أي: أن المفروض أنه إذا قرب الامتحان لا بد أن يجتهد الطالب في المذاكرة . فإن أهمل التلميذ عمله فنحن نتعجب من سلوكه ؛ لأنه لا يتفق مع ما كان يجب أن يحدث . وبذلك نستنكر أن يحدث مثل هذا الإهمال ، مثلما نستنكر ونتعجب من مريض يترك الدواء بينما هو يتألم .