ولذلك فإن سأل أحد عن حكمة التكليف من الله ، نقول له: إن الحكمة تنبع من أنه سبحانه هو الذي كَلَّف . ثم إن معرفة الحكمة لا تكون إلا من المساوي للمساوي ، فإن ذهب المريض إلى الطبيب وكتب له الدواء ، وظل المريض يناقش الطبيب في الدواء وفوائده ؛ فالطبيب يرفض المناقشة ، ويقول للمريض: ادخل كلية الطب واقْضِ فيها سبع سنوات ، واحصل على الدرجات العلمية ، ثم تَعَالَ وناقشني .
إذن: فأنت تربط علة التكليف بأمر المكلف ، مع أن المكلف من البشر قد يخطئ . أما إذا جئنا بمجموعة من الأطباء ليكشفوا على مريض احتار الطب فيه ، ثم جلسوا بعد الكشف يتناقشون ، فكل منهم يقبل مناقشة الآخر ؛ لأنه مُسَاوٍ له في الفكر والثقافة والعلم إلى آخره ، لكن إنْ أردتَ أن تسأل عن الحكمة في تكليف من الله فلن تجد مساويًا لله سبحانه وتعالى ، وبذلك تكون المناقشة مرفوضة .
إذن: فالمكلف لا بد أن تكون له منزلة سابقة على التكليف ، ومنزلة الحق أنك آمنت به ، ولهذا أرى أن البحث عن أسباب التكليف هو أمر مرفوض إيمانياً ، فإذا قيل: إن الله فرض الصوم حتى يشعر الغني بألم الجوع ؛ ليعطف على الفقير ، نقول: لا ، وإلا سقط الصوم عن الفقير ؛ لأنه يعرف ألم الجوع جيداً . وإذا قيل لنا: إن الصوم يعالج أمراض كذا وكذا وكذا . نقول: إن هذا غير صحيح ، وإلا لما أسقط الله فريضة الصوم عن المريض في قوله تعالى: {وَمَن كَانَ مَرِيضاً أَوْ على سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ...} [البقرة: 185] .
فإذا كان الله قد أباح للمريض أن يفطر ، فكيف يأتي إنسان ويقول: إن علة فرض الصوم هي شفاء الأمراض؟ كما أن هناك بعض الأمراض لا يُسْمَح معها بالصوم .