والثالثة - أنه ذكر الكنز في الذهب والفضة دون غيرهما مع أن الأموال كثيرة، وكان المال يطلق على النعم دون غيرها، وأجيب عنها بأن الذهب والفضة تطلق على كل المال، وهما مقياس التقدير لكل الأموال، وقد قال في ذلك الزمخشري: إنهما قانون التمول وأثمان الأشياء، ولا يكنزهما إلا من فضلا عن حاجته، ومن كثرا عنده حتى يكنزهما، لم يعدم سائر أجناس المال، فكان ذكر كنزهما دليلا على ما سواهما.
هذا معنى الآية الكريمة فيما يظهر لنا، ويجب أن ثنبه إلى أنه لَا يصح النهم في المال إلا للقيام بمصلحة عامة، ولا يصح أن يكون المال مطلبا ذاتيا، وغرضا مقصودا لذاته لَا للتمكن من النعم، فإنه حينئذ يلهى عن المقاصد السامية، كما قال تعالى: (أَلْهَاكمُ التَّكَاثُرُ حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ) ،، ولأنه يصير عبدا للمال، لَا سيدا متصرفا، والنبي - صلى الله عليه وسلم - يقول:"تعس عبد الدرهم"- وقد روى أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:"تبا للذهب تبا للفضة، قالها ثلاثا فقالوا له: أي مال نتخذ: قال:"لسانا ذاكرا وقلبا خاشعًا، وزوجة تعين أحدكم على دينه) وقال - صلى الله عليه وسلم:"من ترك صفراء أو بيضاء كوي بها".
ذكر الله عذاب يوم القيامة لمن كنز الذهب والفضة من غير إنفاق:
(يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ(35)
(يَوْمَ) تتعلق بقوله: (بِعَذَاب أَلِيم) ، أي ذلك الإيلام الشديد، يوم يحمى عليها أي يوقد عليها، والضمير يعود إلى الذهب والفضة كما يعود ضمير ينفقونها إليها على التخريج الذي ذكرنا آنفا، ولهذا النص تصوير لحال الأشحة الذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبل الخير، ولا يؤدون ما تعلق بها من نفقات على العيال، والفقراء، فلا يعطون المال على حبه مسكينا يتيما وأسيرا، ويعيشون لأنفسهم، لَا يتجاوزونها إلى غيرهم من الفقراء والمحاويج والمجاهدين والمؤلفة قلوبهم والغارمين وفي سبيل الله.