إذا تقرر هذا علم أن الحج لم يكن قط إلا في شهر يسمونه ذا الحجة ، وهو مما لا يدور في خَلَد ولا يقع في وهم فيه تردد ، ولا يحتاج إلى تطويل بذكره ولا إطناب في أمره ، وتارة يوافق اسمه مسماه وتارة لا يوافقه لأجل النسيء ، وعلم أيضاً أن حج عتاب بن أسيد كان في ذي الحجة بعد رجوع النبي - صلى الله عليه وسلم - من الجعرانة إلى المدينة الشريفة ، أنه ما تأخر عن ذي الحجة إلا لنقل ، وأن حج أبي بكر - رضي الله عنهم - سنة تسع كان ذي الحجة لذلك ولما تقدم من أن سفره له من المدينة الشريفة كان آخر ذي القعدة أو أول ذي الحجة ولقولهم: إن الأربعة الأشهر التي ضربت للمشركين من يوم النحر ولقولهم: إن الأربعة الأشهر كان آخرها عاشر ربيع الآخر ، وعلم أن ذا الحجة تلك السنة لو كان وافق مسمى ذي القعدة لم يقع ذو الحجة سنة عشر التي حج فيها النبي - صلى الله عليه وسلم - في موضعه الذي وضعه الله به إلا بأن تكون تلك السنة ثلاثة عشر شهراً بنسيء أو غيره ، وكل من الأمرين باطل ، أما الأول فلأن الله تعالى أبطل النسيء في تلك السنة فيما أبطله من أمور الجاهلية في هذه السورة ، وأرسل النبي - صلى الله عليه وسلم - بالمناداة بها كما مر ، وأما الثاني فهو أمر خارق للعادة لم يكن مثله من حين خلق الله السماوات والأرض ، والخارق مما تتوفر الدواعي [على] نقله ، ولا ناقل لهذا أصلاً فبطل ، وإذا بطل ثبت أن سنة عشر كانت اثني عشر شهراً ولا سيما بعد إنزال الله تعالى في ذلك ما أنزل في هذه السورة ، وإذا كان الأمر كذلك كان الشهر الذي وقف فيه النبي - صلى الله عليه وسلم - في موضع الشهر الذي وقف فيه الصديق - رضي الله عنهم - سواء بسواء ، وقد ثبت أن الزمان كان فيه قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض ، فثبت من غير مرية أن شهر الصديق - رضي الله عنهم - كذلك كان ، وثبت أيضاً أن سنة عتاب ابن أسيد - رضي الله عنهم - كذلك كانت بما قدمتُ من أنه لم