وقوله تعالى: {لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً} الآية، أكثر النحويين يقولون: إنما حذفت النون لأنها تشبه بما فيها من الغنة حروف اللين، ووقعت طرفًا فحذفت تشبيهًا بها كما تقول: لم يدع، ولم يرم، ولم يك.
وهذا ينتقض بقولهم: لم يزن، ولم يخن، ولم يسمع حذف النون في مثل هذا الموضع إلا من (كان) , وذلك أن (كان) و (يكون) أم الأفعال، من أجل أن كل فعل فيه معنى (كان) على ما تصرف منه، ففي (ضرب) معنى: كان ضربٌ، وفي (يضرب) معنى: يكون ضربٌ، فلما قويت بأنها أم الأفعال، وكثر استعمالها للحاجة إليها احتملت هذا الحذف، ولم تحتمله نظائرها، وهذا تعليل ذكره علي بن عيسى النحوي، وسنذكر تمام هذه المسألة في سورة هود عند قوله: {فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلَاءِ} [هود: 109] إن شاء الله تعالى.
قال الكلبي: إن الله تعالى أطعم أهل مكة من جوع وآمنهم من خوف وبعث إليهم محمدًا رسولاً، وكان هذا كله مما أنعم عليهم، ولم يكن يغير عليهم ذلك لو لم يغيروا هم، وتغييرهم كفرانها، وترك شكرها، فإذا غيروا ذلك غير الله ما بهم فسلبهم النعمة، وأخذهم بالعقاب، وقال السدي: نعمة الله: محمد عليه السلام أنعم به على قريش فكفروا به وكذبوه فنقله إلى الأنصار.
فعلى هذا هم غيّروا هذه النعمة عليهم بمحمد - صلى الله عليه وسلم - بتكذيبهم وقصدهم قتله، فغير الله عليهم ما أعطاهم من نعم الدنيا وأخذهم بعذاب الآخرة.
وقوله تعالى: {وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} ، قال ابن عباس: يريد: سميع لقولكم، عليم بنياتكم.