لا تصيب النفوس الظالمة فقط بل تصيب ظلمتها الأرواح النورانية والقلوب الربانية فتجتذبها من حظائر القدس ورياض الأنس إلى حضائض صفات الإنس {واعلموا أن الله شديد العقاب} يعاقب الواصلين بالانقطاع والاستدراج عن الالتفات إلى ما سواه {واذكروا إذ أنتم} أيها الأرواح والقلوب {قليل} لم ينشأ بعد لكما الصفات الأخلاق الروحانية {مستضعفون} من غلبات صفات النفس لإعواز التربية بألبان آداب الطريقة ولانعدام جريان أحكام الشريعة عليكم إلى أوان البلوغ. {يخافون} أن تسلبكم النفوس وصفاتها والشيطان وأعوانه {فآواكم} إلى حظائر القدس {وأيدكم} بالواردات الربانية {ورزقكم} المواهب الطاهرة من لوث الحدوث. {يا أيها الذين آمنوا} يعني الأرواح والقلوب المنوّرة بنور الإيمان المستسعدة بسعادات العرفان {لا تخونوا الله} فيما آتاكم من المواهب فتجعلوها شبكة لاصطياد الدنيا ولا تخونوا الرسول بترك السنة والقيام بالبدعة {وتخونوا أماناتكم} التي هي محبة الله، وخيانتها تبديلها بمحبة المخلوقات {وأنتم تعلمون} إنكم تبيعون الدين بالدنيا والمولى بالأولى {فتنة} يختبركم الله بها بالتمييز الموافق من المنافق، والصديق من الزنديق. {يا أيها الذين آمنوا} بهذه المقامات والكرامات {أن تتقوا الله} من غير الله {يجعل لكم فرقاناً} يفض عليكم من سجال جماله وجلاله القديم ما تفرقون به بين الحدوث والقدم {ويكفر عنكم} سيئات وجودكم الفاني {ويغفر لكم} يستركم بأنوار جماله وجلاله {والله ذو الفضل العظيم} وهو البقاء بالله بعد الفناء فيه {ليثبتوك} أيها الروح في أسفل سافلين الطبيعة أو يعدموك بانعدام آثارك {أو يخرجوك} من عالم الأرواح {والله خير الماكرين} يصلح حال أهل الصلاح ألبتة. انتهى انتهى. {غرائب القرآن حـ 3 صـ 393 - 394}