قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَأَمَّا قَوْلُهُ: {وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ} فَإِنَّهُ يَقُولُ: وَأَخْرَجَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ تَلُوحُ لِمَنْ نَظَرَ إِلَيْهَا مِنَ النَّاسِ، وَكَانَ مُوسَى فِيمَا ذُكِرَ لَنَا آدَمَ، فَجَعَلَ اللَّهُ تَحَوُّلَ يَدِهِ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ بَرَصٍ لَهُ آيَةً وَعَلَى صِدْقِ قَوْلِهِ {إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ} حُجَّةً.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (109) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ (110) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: قَالَتِ الْجَمَاعَةُ مِنْ رِجَالِ قَوْمِ فِرْعَوْنَ وَالْأَشْرَافِ مِنْهُمْ: إِنَّ هَذَا يَعْنُونَ مُوسَى صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، {لِسَاحِرٌ عَلِيمٌ} يَعْنُونَ أَنَّهُ يَأْخُذُ بِأَعْيُنِ النَّاسِ بِخِدَاعِهِ إِيَّاهُمْ حَتَّى يُخَيَّلَ إِلَيْهِمُ الْعَصَا حَيَّةً وَالْآدَمَ أَبْيَضَ، وَالشَّيْءَ بِخِلَافِ مَا هُوَ بِهِ. وَمِنْهُ قِيلَ: سَحَرَ الْمَطَرُ الْأَرْضَ: إِذَا جَادَهَا فَقَطَعَ نَبَاتَهَا مِنْ أُصُولِهِ، وَقَلَبَ الْأَرْضَ ظَهْرًا لِبَطْنٍ، فَهُوَ يَسْحَرُهَا سِحْرًا، وَالْأَرْضُ مَسْحُورَةٌ إِذَا أَصَابَهَا ذَلِكَ.
فَشَبَّهَ سِحْرَ السَّاحِرِ بِذَلِكَ لِتَخْيِيلِهِ إِلَى مَنْ سَحَرَهُ أَنَّهُ يَرَى الشَّيْءَ بِخِلَافِ مَا هُوَ بِهِ وَمِنْهُ قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ فِي صِفَةِ السَّرَابِ:
[البحر الوافر]
وَسَاحِرَةُ الْعُيُونِ مِنَ الْمَوَامِي ... تُرَقَّصُ فِي نَوَاشِزِهَا الَأُرُومُ
وَقَوْلِهِ {عَلِيمٌ}
يَقُولُ: سَاحِرٌ عَلِيمٌ بِالسِّحْرِ. يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ أَرْضَ مِصْرَ مَعْشَرَ الْقِبْطِ السَّحَرَةَ.
وَقَالَ فِرْعَوْنُ لِلْمَلَإِ: {فَمَاذَا تَأْمُرُونَ}
يَقُولُ: فَأَيُّ شَيْءٍ تَأْمُرُونَ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْرِهِ، بِأَيِّ شَيْءٍ تُشِيرُونَ فِيهِ؟.