وَجُمْلَةُ الْقَوْلِ فِي أَصْحَابِ الْأَعْرَافِ: أَنَّ مَا حَكَاهُ تَعَالَى عَنْهُمْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ - إِنْ صَحَّ وُجُودُ الْأَعْرَافِ حِينَئِذٍ - بَعْدَ الْمُرُورِ عَلَى الصِّرَاطِ وَقَبْلَ دُخُولِ أَهْلِ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ وَأَهْلِ النَّارِ النَّارَ وَأَنْ يَكُونَ بَعْدَ ذَلِكَ ، فَالْأَوَّلُ - لَوْلَا مَا يُنَافِيهِ مِمَّا تَقَدَّمَ - يُرَجِّحُ أَنَّهُمُ الْأَنْبِيَاءُ وَحْدَهُمْ أَوْ مَعَ غَيْرِهِمْ مِنَ الشُّهَدَاءِ عَلَى الْخَلْقِ ؛ لِأَنَّ وُجُودَهُمْ هُنَالِكَ تَمْيِيزٌ وَتَفْضِيلٌ عَلَى جَمِيعِ أَهْلِ الْمَوْقِفِ ، وَلَا يَصِحُّ هَذَا لِغَيْرِهِمْ إِلَّا أَنْ يَكُونَ لِلْمَلَائِكَةِ وَهُوَ مَا يَمْنَعُ مِنْهُ التَّعْبِيرُ بِرِجَالٍ وَإِنْ أَوَّلَهُ ، أَوْ مُسَلَّمٌ بِكَوْنِهِمْ فِي صُورَتِهِمْ . وَالثَّانِي وَالثَّالِثُ يُرَجِّحَانِ أَنَّهُمُ الَّذِينَ اسْتَوَتْ حَسَنَاتُهُمْ وَسَيِّئَاتُهُمْ بِمَعُونَةِ كَثْرَةِ الرِّوَايَاتِ فِيهِ ، يُوقَفُونَ عَلَى الْأَعْرَافِ طَائِفَةً مِنَ الزَّمَنِ يَظْهَرُ فِيهَا عَدْلُ اللهِ تَعَالَى بِعَدَمِ مُسَاوَاتِهِمْ بِأَصْحَابِ الْحَسَنَاتِ الرَّاجِحَةِ بِدُخُولِ الْجَنَّةِ مَعَهُمْ ، وَلَا بِأَصْحَابِ السَّيِّئَاتِ الرَّاجِحَةِ بِدُخُولِ النَّارِ مَعَهُمْ وَلَوْ بَقَوْا فِي هَذِهِ الْمَنْزِلَةِ بَيْنَ الْمَنْزِلَتَيْنِ لَكَانَ عَدْلًا وَلَكِنْ وَرَدَ أَنَّهُ تَعَالَى يُعَامِلُهُمْ بَعْدَ هَذَا الْعَدْلِ بِالْفَضْلِ وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ ، وَلَابُدَّ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ قَبْلَ إِخْرَاجِ مَنْ يُعَذَّبُونَ فِي النَّارِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ رَجَحَتْ سَيِّئَاتُهُمْ عَلَى حَسَنَاتِهِمْ ، وَالدَّلِيلُ عَلَى عَدَمِ بَقَاءِ أَحَدٍ فِي مَنْزِلَةٍ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ مَا وَرَدَ مِنَ الْآيَاتِ الْكَثِيرَةِ