وقوله: (فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ) قال الحسن: إبليس لم يكن من الملائكة، وذلك أن اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - وصف الملائكة جملة بالطاعة له والخضوع بقوله: (لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ) وقال: (لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) ، وغيره من الآيات ولم يكن من إبليس إلا كل سوء، وقال أيضًا: خلق الملائكة من نور وإبليس من نار على ما ذكر، والنار ليست من جوهر النور؛ دل أنه ليس من الملائكة.
وقال في قوله: (فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ) : مثل هذا يجوز أن يقال: دخل هذه الدار أهل البصرة إلا رجلاً من أهل الكوفة، دل الاستثناء على أن دخل هنالك أهل الكوفة؛ فعلى ذلك يدل استثناء إبليس على أن كان هناك أمر بالسجود لآدم لغير الملائكة أيضًا، ولكن ليس لنا إلى معرفة ذلك فائدة: أنه كان من الملائكة أو من غيره، إنما علينا أن نعرف أنه عدو لنا، وقد ذكرنا هذا فيما سبق.
وقوله عَزَّ وَجَلَّ: (مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ ...(12)
قيل: قوله: (مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ) أي: ما منعك أن تسجد على ما ذكر في آية أخرى وألا زائدة.
وقوله عَزَّ وَجَلَّ: (أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ...) بم علم عدو اللَّه أن المخلوق من النار خير من المخلوق بالطين إلا أن يقال بأن النار جعلت لمصالح الأغذية،
فمن هنا وقع له ذلك أنها خير من الطين، فيقال: إن النار وإن جعلت لصلاح الأغذية؛ فالطين جعل لوجود الأغذية فالذي جعل لوجود الشيء هو أنفع وأكبر مما جعل لمصالحه، ولعل الأغذية تصلح للأكل بغيرها بالشمس وغيرها.
وبعد فإن الطين مما يقوم للنار ويطفئها ويتلفها، والنار لا تقوم للطين ولا تتلفه؛ فإذا كان كذلك فلا يجوز أن يقع من هذا الوجه أنها أفضل وأخير من الطين.