بالخلق وأقربهم عصبة في هذا الميراث النبويّ ، و: {ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} .
واعلم أن الإيمان بحقيقة القدر والشرع والحكمة ، لا يجتمع إلا في قلوب خواص الخلق ولبّ العالم ، وليس الشأن في الإيمان بألفاظ هذه المسميات وجحد حقائقها كما يفعل كثير من طوائف الضلالاّ . فإن القدرية تؤمن بلفظ (القدر) ، ومنهم من يرده إلى العلم ، ومنهم من يرده إلى الأمر الدينيّ ويجعل قضاءه وقدره هو نفس أمره ونهيه ونفس مشيئة الله لأفعال عباده بأمره لهم بها ، وهذا حقيقة إنكار القضاء والقدر . وكذلك (الحكمة) فإن الجبرية تؤمن بلفظها ويجحدون حقيقتها ، فإنهم يجعلونها مطابقة علمه تعالى لمعلومه تعالى وإرادته لمراده تعالى ، فهي - عندهم - وقوع الكائنات على وفق علمه وإرادته . . والقدرية النفاة لا يرضون بهذا ، بل يرتفعون عنه طبقة ، ويثبتون حكمة زائدة على ذلك ، لكنهم ينفون قيامها بالفاعل الحكيم ، ويجعلونها مخلوقاً من مخلوقاته ، كما قالوا في كلامه وإرادته . فهؤلاء كلهم أقروا بلفظ (الحكمة) وجحدوا معناها وحقيقتها . وكذلك (الأمر) و (الشرع) فإن من أنكر كلام الله وقال: إن الله لم يتكلم ولا يتكلم ، ولا قال ولا يقول ، ولا يحب شيئاً ولا يبغض شيئاً ، وجميع الكائنات محبوبة له ، وما لم يكن فهو مكروه له ، ولا يحب ولا يرضى ولا يغضب ولا فرق في نفس الأمر بين الصدق والكذب والفجور والسجود للأصنام والشمس والقمر . ولا ريب أن هذا يرفع الشرائع والأمر والنهي بالكلية . ولولا تناقض القائلين به لكانوا منسلخين من دين الرسل ، ولكن مشى الحال بعض الشيء بتناقضهم ، وهو خير لهم من طرد أصولهم والقول بموجبها .
والمقصود: أنه لم يؤمن بالقضاء والقدر والحكمة والأمر والنهي والوعد والوعيد ، حقيقة الإيمان ، إلا أتباع الرسل وورثتهم .