الثاني - في قوله تعالى: {قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً} إيذان التحريم إنما بالوحي لا بالهوى. قال الشهاب: كني بعدم الوجدان عن عدم الوجود. ومبنى هذه الكناية على أن طريق التحريم التنصيص منه تعالى. وتفسيره بمطلق الوحي استظهروه. ولذا قال: أوحي ولم يقل: أنزل.
الثالث - قال السيوطي في"الإكليل": استدل النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: {عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ} على أنه إنما حرم من الميتة أكلها. وأن جلدها يطهر بالدبغ. فأخرج أحمد وغيره عن ابن عباس قال: ماتت شاة لسودة بنتَ زَمْعَة فقالت: يا رسول الله! ماتت فلانة (يعني الشاة) فقال: فلولا أخذتم مَسْكها؟ فقالت: نأخذ مسك شاة قد ماتت؟ فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنما قال الله عز وجل: {قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَّسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ} . فإنكم لا تطعمونه. إن تدبغوه تنتفعوا به. فأرسلت إليها فسلختْ مسكها فدبغته , فاتخذت منه قربة , حتى تخرَّقت عندها.
الرابع - استدل بقوله تعالى: {مَّسْفُوحاً} على إباحة غيره. وذلك لأن الدم المسفوح هو ما سال من الحيوان في حال الحياة , أو عند الذبح - لا كالكبد والطحال - وكذا ما اختلط باللحم من الدم لأنه غير سائل. قال عِمْرَان بن جدير: سألت أبا مجلز عما يختلط باللحم من الدم , وعن القدر يرى فيها حمرة الدم فقال: لا بأس بذلك! إنما نهى عن الدم المسفوح.
وقال إبراهيم النَّخَعِي: لا بأس بالدم في عِرقٍ أو مخّ , إلاّ المسفوح.
وقال عِكْرِمَة: لولا هذه الآية لتتبع المسلمون الدم من العروق ما تتبع اليهود. انتهى انتهى. {محاسن التأويل حـ 6 صـ 524 - 528}