وقد روي عنه نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكل كل ذي ناب من السباع ثم اختلف الصحابة ومن بعدهم في تحريم ذلك فجاز لهذه الوجوه لمن ينظر أن يجمل لفظ التحريم على المنع الذي هو الكراهية ونحوها ، وما اقترنت به قرينة التأويل كتحريمه عليه السلام لحوم الحمر الإنسية فتأول بعض الصحابة الحاضرين ذلك لأنهم لم تخمس ، وتأول بعضهم أن ذلك لئلا تفنى حمولة الناس ، وتأول بعضهم التحريم المحض وثبت في الأمة الاختلاف في تحريم لحمها فجائز لمن ينظر من العلماء أن يحمل لفظ التحريم بحسب اجتهاده وقياسه على كراهية أو نحوها.
وروي عن ابن عامر أنه قرأ"فيما أَوحَى إلي"بفتح الهمزة والحاء وقرأ جمهور الناس يطعمه وقرأ أبو جعفر محمد بن علي"يطّعِمه"بتشديد الطاء وكسر العين ، وقرأ محمد بن الحنفية وعائشة وأصحاب عبد الله"طعمه"بفعل ماض ، وقرأ نافع والكسائي وأبو عمر وعاصم"إلا أن يكون"بالياء على تقدير إلا أن يكون المطعوم ، وقرأ ابن كثير وحمزة وأبو عمرو وأيضاً"إلا أن تكون"بالتاء من فوق"ميتة"على تقدير إلا أن تكون المطعومة ، وقرأ ابن عامر وحده وذكرها مكي عن أبي جعفر"إلا أن تكون"بالتاء"ميتةٌ"بالرفع على أن تجعل"تكون"بمعنى تقع ، ويحتاج على هذه القراءة أن يعطف {أو دماً} على موضع"أن تكون"، لأنها في موضع نصب بالاستثناء ، والمسفوح الجاري الذي يسيل وجعل الله هذا فرقاً بين القليل والكثير ، والمنسفح ، السائل من الدم ونحوه ، ومنه قول الشاعر وهو طرفة:
إذا ما عَادهُ مِنّا نِساءٌ... سَفَحْنَ الدَّمْعَ مِنْ بعْدِ الرَّنِينِ
وقول امرئ القيس:
وإن شفائي عبرة إن سفحتها... فالدم المختلط باللحم والدم الخارج من مرق اللحم وما شاكل هذا حلال والدم غير المسفوح هو هذا وهو معفوّ عنه ، وقيل لأبي مجلز في القدر تعلوها الحمرة من الدم قال: إنما حرم الله المسفوح ، وقالت نحوه عائشة وغيرها وعليه إجماع العلماء.