تَرُوحُ من الحَيِّ أم تَبْتَكِرْ ...
الثالثة: قال العلماء: الآية احتجاج على المشركين في أمر البَحيرة وما ذُكر معها.
وقولهم:"مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا".
فدلّت على إثبات المناظرة في العلم؛ لأن الله تعالى أمر نبيّه عليه السلام بأن يناظرهم، ويبيّن لهم فساد قولهم.
وفيها إثبات القول بالنظر والقياس.
وفيها دليل بأن القياس إذا ورد عليه النص بطل القول به.
ويروى:"إذا ورد عليه النقض"؛ لأن الله تعالى أمرهم بالمقايسة الصحيحة، وأمرهم بطرد علتهم.
والمعنى: قل لهم إن كان حرّم الذكور فكل ذكر حرام.
وإن كان حرم الإناث فكل أنثى حرام.
وإن كان حرّم ما اشتملت عليه أرحام الأنثيين، يعني من الضأن والمعز، فكل مولود حرام، ذكراً كان أو أنثى.
وكلها مولود فكلها إذاً حرام لوجود العلة فيها، فبيّن انتقاض علّتهم وفساد قولهم؛ فأعلم الله سبحانه أن ما فعلوه من ذلك افتراء عليه {نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ} أي بعلم إن كان عندكم، مِن أين هذا التحريم الذي افتعلتموه؟ ولا علم عندهم؛ لأنهم لا يقرءون الكتب.
والقول في: {وَمِنَ الإبل اثنين} وما بعده كما سبق {أَمْ كُنتُمْ شُهَدَآءَ} أي هل شاهدتم الله قد حرّم هذا.
ولمّا لزمتهم الحجة أخذوا في الافتراء فقالوا: كذا أمر الله.
فقال الله تعالى: {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افترى عَلَى الله كَذِباً لِيُضِلَّ الناس بِغَيْرِ عِلْمٍ} بيّن أنهم كذبوا؛ إذ قالوا ما لم يقم عليه دليل. انتهى انتهى. {تفسير القرطبي حـ 7 صـ}