وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْكُوفِيِّينَ: وَقَدْ فَصَلِّ بِفَتْحِ فَاءِ فَصَّلَ وَتَشْدِيدِ صَادِهِ، (مَا حُرِّمَ) بِضَمِّ حَائِهِ وَتَشْدِيدِ رَائِهِ، بِمَعْنَى: وَقَدْ فَصَّلَ اللَّهُ لَكُمُ الْمُحَرَّمَ عَلَيْكُمْ مِنْ مَطَاعِمِكُمْ.
وَقَرَأَ ذَلِكَ بَعْضُ الْمَكِّيِّينَ وَبَعْضُ الْبَصْرِيِّينَ: (وَقَدْ فُصِّلَ لَكُمْ) بِضَمِّ فَائِهِ وَتَشْدِيدِ صَادِهِ، (مَا حُرِّمَ عَلَيْكُمْ) بِضَمِّ حَائِهِ وَتَشْدِيدِ رَائِهِ، عَلَى وَجْهِ مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ فِي الْحَرْفَيْنِ كِلَيْهِمَا.
وَرُوِيَ عَنْ عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ ذَلِكَ: (وَقَدْ فَصَلَ) بِتَخْفِيفِ الصَّادِ وَفَتْحِ الْفَاءِ، بِمَعْنَى: وَقَدْ أَتَاكُمْ حُكْمُ اللَّهِ فِيمَا حُرِّمَ عَلَيْكُمْ.
وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا أَنْ يُقَالَ: إِنَّ كُلَّ هَذِهِ الْقِرَاءَاتِ الثَّلَاثِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا، سِوَى الْقِرَاءَةِ الَّتِي ذَكَرْنَا عَنْ عَطِيَّةَ، قِرَاءَاتٌ مَعْرُوفَةٌ مُسْتَفِيضَةٌ الْقِرَاءَةُ بِهَا فِي قُرَّاءِ الْأَمْصَارِ، وَهُنَّ مُتَّفِقَاتُ الْمَعَانِي غَيْرُ مُخْتَلِفَاتٍ، فَبِأَيِّ ذَلِكَ قَرَأَ الْقَارِئُ فَمُصِيبٌ. فِيهِ الصَّوَابَ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: {إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ} فَإِنَّهُ يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ: أَنَّ مَا اضْطُرِرْنَا إِلَيْهِ مِنَ الْمَطَاعِمِ الْمُحَرَّمَةِ الَّتِي بُيِّنَ تَحْرِيمُهَا لَنَا فِي غَيْرِ حَالِ الضَّرُورَةِ لَنَا حَلَالٌ مَا كُنَّا إِلَيْهِ مُضْطَرِّينَ، حَتَّى تَزُولَ الضَّرُورَةُ
عَنْ قَتَادَةَ: {إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ} «مِنَ الْمَيْتَةِ» .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ}
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: {وَإِنَّ كَثِيرًا} مِنَ النَّاسِ الَّذِينَ يُجَادِلُونَكُمْ فِي أَكْلِ مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ مِنَ الْمَيْتَةِ {لَيُضِلُّونَ} أَتْبَاعَهُمْ {بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ} مِنْهُمْ بِصِحَّةِ مَا يَقُولُونَ، وَلَا بُرْهَانَ عِنْدَهُمْ بِمَا فِيهِ يُجَادِلُونَ، إِلَّا رُكُوبًا مِنْهُمْ لِأَهْوَائِهِمْ، وَاتِّبَاعًا مِنْهُمْ لِدَوَاعِي نُفُوسِهِمْ، اعْتِدَاءً وَخِلَافًا لِأَمْرِ اللَّهِ وَنَهْيِهِ، وَطَاعَةً لِلشَّيَاطِينِ.
{إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ}