قوله:"فَمَنْ أبْصَرَ"يجوز أن تكون شَرطيَّةً ، وأن تكون مَوصُولةً فالفاء جواب الشَّرطِ على الأوَّلِ ، ومزِيدَةٌ في الخبر لشبه المْصُولِ باسم الشرط على الثُّانِي ، ولا بُدَّ قبل لام الجرِّ من مَحْذُوفٍ يَصِحُّ به الكلام ، والتقدير: فالإبْصَارُ لِنَفْسِهِ ، ومَنْ عَمِيَ فالعَمَى عليها ، فإلإبصار والعَمَى مُبْتَدآنِ ، والجارُّ بعدهما هو الخَبَرُ بعدهما هو الخَبَرُ ، والفاء دَاخِلَةٌ على هذه الجملة الواقعة جواباً أو خبراً ، وإنما حُذِف مُبْتَدؤها للعلم به ، وقدَّر الزجاج قريباً من هذا فقال:"فلنفسه نَفْعُ ذلك ومن عَمِيَ فعليها ضَرَرُ ذلك".
وقال الزمخشري:"فَمْنْ أبصر الحق وآمن فلنفسه أبصر وإياها نفع ، ومن عمي فعليها ، أي: فعلى نفسه عَمِي ، وإياها ضر".
قال أبو حيَّان: وما قدَّرناه من المصدر أوْلَى ، وهو فالإبصار والعمى لوجهين:
أحدهما: أن المَحْذُوفَ يكون مفرداً لا جملة ، والجار يكون عُمْدَةً لا فَضْلَةً ، وفي تقديره هو المحذوف جملة ، والجار والمرجور فَضْلَة.
والثاني: وهو أقوى ، وذلك أنه لو كان التقدير فِعْلاً لم تدخل الفاء سواء كانت شَرطيَّةً أم موصولة مشبهة بالشرط ؛ لأن الفعل الماضي إذا لم يكن دُعَاءً ولا جَامِداً ، ووقع جوابُ الشَّرطِ أو خبر مبتدأ مُشَبَّهٌ بالشرط لم تدخل الفاءُ في جواب الشرط ، ولا في خبر المبتدأ لو قلت:"من جاءني فأكرمته"لم يَجُزْ بخلاف تقديرنا ، فإنه لا بُدَّ فيه من الفاء ، ولا يجوز حذفها إلا في الشعر.