{قَدْ جَآءَكُمْ بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ} أي أنها بلغت من تكوينها أنها أصبحت كانها أشياء محسّة تجيء ، ولا يصح أن تقولوا إنها لم تصلكم لأنها تجيء من الرب الذي خلقنا بقدرته وأمدنا في كل شيء بقيّوميته ، ومن لوازم الربوبية أن يعطي ما يهدي ، وقد حكم الله أن البصائر جاءتنا ، وحكم بأن رسوله قد بلّغ ؛ فسبحانه أعطى لرسوله ، والرسول ناولنا ، فالحق قد شرع ورسوله قد بلغ وبقي أن تؤدوا ولا عذر لكم من المشرع الأعلى الذي خلق وهو الرب . ولا من المبلغ المعصوم وهو الرسول .
ويقول الحق تبارك وتعالى: {فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا} [الأنعام: 104] .
ولله المثل الأعلى ، نجد الولد يدخل البيت فيجد أمه ويقول لها: ماذا أعددت لنا من طعام؟ فتقول: لا شيء . فيقول الابن: لقد بعث أبي اللحم والأرز والخضار ، فكأنه يقول لها: أين عملك يا أمي؟
وربنا سبحانه يوضح: أنا خلقتكم ، وعملت لكم قانون صيانة ، وأرسلت لكم رسولاً ولا تعرفون عنه أنه صادق في بلاغه ، وأدى هذه الرسالة ، لذلك فالباقي من المسألة عندكم أنتم ، وكل واحد عليه أن يؤدي ما عليه من عمل ، إن أبصر فلنفسه ، وإن عمى فعليها . فإياكم أن تفهموا أني كلفتكم بما يعود عليَّ في ذاتي ، ولا ما يزيد من سلطاني شيئا ؛ لأن خيرها لكم أنتم ، ولا آمن على التشريع ممن لا يفيد من التشريع ؛ لأن من يستفيد منه قدر يشرّع لمصلحته ، أما الحق فهو مأمون على التشريع لأنه غير منتفع به .
يقول سبحانه: {قَدْ جَآءَكُمْ بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا} [الأنعام: 104] .