منه، ومثل ذلك في اللغة أن ترى إنسانًا يحب غاويًا، فإذا وقع في هلكة تبرأ منه، فتقول له: ما كانت محبتك لفلان إلاَّ أن انتفيت منه، وقال: وهذا تأويل لطيف، لا يعرفه إلاَّ من عرَف معاني الكلام، وتصرَّف العرب في ذلك، وقال ابن الأنباري: والمعنى: أنَّهم افتتنوا بقولهم هذا؛ إذ كذبوا فيه، ونفوا عن أنفسهم ما كانوا معروفين به في الدنيا )) [1] فليس المراد من الفتنة هنا المعذرة، بل الفتنة بعينها بالتبرئ منها، أو الاعتذار عن وقوعهم فيها في الدنيا.
واستشهدوا لجعلها بمعنى العبرة بقوله تعالى: (رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) {يونس: 85} قال ابن الجوزي: (( في قوله تعالى:(لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً) ثلاثة أقوال: أحدها: لا تهلكنا بعذاب على أيدي قوم فرعون، ولا بعذاب من فبلك؛ فيقول قوم فرعون: لو كانوا على حق ما عُذِّبوا ولا سلطنا عليهم، والثاني: لا تسلطهم علينا فيفتنونا، والثالث: لا تسلطهم علينا؛ فيُفتنون بنا؛ لظنهم أنَّهم على حق )) [2] فالمراد من الفتنة هنا أيضًا الفتنة بعينها.
فالوجوه التي ذكرها أهل الوجوه للفتنة جميعها غير صحيحة، وهي مع ذلك لو صحت مختلقة عن طريق دراستهم إياها دراسة معكوسة، فالقرآن الكريم لم يُسمِّ الفتنة بهذه الوجوه، كما فعل أهل الوجوه، وإنَّما سمَّى كلاًّ منها بالفتنة، فهي إذن جميعها وجه واحد، والحقيقة أنَّ المراد من الفتنة أينما وردت في القرآن الكريم الفتنة بعينها، ولا وجوه لها فيه.
(1) زاد المسير 3/ 14 - 15 وينظر: معاني القرآن وإعرابه 2/ 190.
(2) زاد المسير 4/ 41.