وتعالى عباده ويختبرهم؛ ليعلم مؤمنهم من كافرهم، وصدقهم من كذبهم بنيران فتن كثيرة منها:
التكاليف التي فرضها الله عليهم، أيحافظون عليها أم يتهاونون فيها، وكذلك يفتتنهم بالبلاء، والعذاب في الدنيا، والعقوبة، والجنون، والمرض، وما قضاه الله فيهم وقدَّره، وتعرضهم من لدن الكفرة للقتل، والحرق بالنار، ودعوتهم للكفر بالله، والشرك به، وصدهم عن دين الله، فمن تعرَّض لهذه الأمور وصبر، وبقي ثابتًا على دينه، فقد نجا، ومن جزع وارتدَّ فقد افتتن، ووقع في الفتنة، فالفتنة: هي الردة التي يقع فيها العبد بعد افتتانه وعدم تجاوزها عند اختباره بها، كالشرك والكفر والإثم وغضب الله وناره، لذلك فإنَّ قوله تعالى: (ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ هَذَا الَّذِي كُنتُم بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ) {الذاريات: 14} معناه ذوقوا نار فتنتكم
وقد اسشهدوا لجعل الفتنة بمعنى المعذرة أو الجواب بقوله تعالى: (ثُمَّ لَمْ تَكُن فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُوا وَاللّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ) {الأنعام: 23}
وهذا وجه مختلق كباقي الوجوه، والدليل على ذلك أن ابن الجوزي الذي عيَّن جعل الفتنة في هذه الآية بمعنى المعذرة في والنزهة والمنتخب [1] لم يعيِّنه في الزاد، بل قال في تفسيره: (( وفي الفتنة: أربعة أقوال: أحدها: أنَّها بمعنى الكلام والقبول 000 والثاني: أنَّها المعذرة 000 والثالث: أنَّها بمعنى البلية 000 والرابع: أنَّها بمعنى الافتتان، والمعنى: لم تكن عاقبة فتنتهم، قال الزجاج: (( لم يكن افتتانهم بشركهم وإقامتهم عليه إلاَّ أن تبرَّؤوا منه وانتفوا
(1) ينظر: نزهة الأعين ص 224 ومنتخب قرة العيون ص 194.