جعلها بمعنى (إذ) كما جاء في الوجه الأول في قوله تعالى: (وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) وقوله تعالى: (وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) فغير صحيح، إذ الحرف لا يطابق معناه إلاَّ الحرف نفسه، وقد قيل به عجزًا وتكاسلًا عن البحث، وقد سبق أن ذكرت أنَّه إذا بدا إشكال معنوي لحرف وهو في تركيب قرآني أن لا نحل هذا الإشكال بتضمينه معنى حرف آخر، لأنَّه يكون حتمًا متأتِّيًا من قصور إدراكنا للمعنى المراد، بل نبقي الحرف على معناه الموضوع له، والدراسة كفيلة بأن توصلنا إلى حل، بل إلى معرفة سر من أسرار الإعجاز والبلاغة في كتاب الله، جاء في كتاب الأزهية للهروي: (( معناه عند بعضهم: إذ كنتم مؤمنين؛ لأنَّ الخطاب للمؤمنين، ولو كانت(إن) للجزاء لوجب أنَّ الخطاب لغير المؤمنين، وقال بعضهم: (إن) فيها للجزاء، كأنَّه قال: من كان مؤمنًا ترك الرباء، ومن كان مؤمنًا لم يخش إلاَّ الله )) [1] وقال المرادي: (( ومذهب المحققين أنَّ(إن) في هذه المواضع كلها شرطية، وأجابوا عن دخولها في هذه المواطن: ولم يثبت في اللغة أنَّ (إن) بمعنى (إذ) ، وأمَّا قوله تعالى: (إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) فقيل: (إن) فيه شرط محض؛ لأنَّها أُنزلت في ثقيف، وكان أول دخولهم في الإسلام، وإن قدرنا الآية فيمن تقرر إيمانه، فهو شرط مجازي على جهة المبالغة، كما تقول: إن كنتَ ولدي فأطعني )) [2]
فتكون (إن) من الألفاظ المشتركة، ولها ثلاثة أوجه هي: الشرطية، والنفي، والتوكيد.
(1) ص 46 - 47.
(2) الجنى الداني ص 213.