(مشربهم) في قوله تعالى: (قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ) {البقرة: 60} بأنَّه (( مفعول لـ(علم) بمعنى عَرَفَ )) [1]
هذا ما أجمع عليه النحاة، ولي على هذا الإجماع ملاحظاتي الآتية:
1 -أفاد قول الأخفش أنَّ قولنا: قد علمتُ زيدًا، يكون مفيدًا إذا جعلناعلم بمعنى عرف؛ لأنَّه يكون بمعنى: عرفتُ زيدًا؛ لأنَّ المراد من المعرفة معرفة ذات زيد، وقد تم الكلام بمعرفة هذه الذات، ولا يكون مفيدًا، إذا أبقينا علم على معناها، ولم نضمنها معنى المعرفة؛ لأنَّ العلم لا يعني معرفة الذات، بل معرفة ما تتصف به الذات؛ لذا لا يكون الكلام مفيدًا إلاَّ بعد ذكر الصفة، وقولنا مثلًا: قد علمتُ زيدًا ظريفًا، كما مثَّل الأخفش، وليس الأمر كما قال، فالفرق المذكور بين العلم والمعرفة قائم على كل حال، فقولنا: قد علمتُ زيدًا ظريفًا، أفاد معرفة صفة معينة من صفات زيد، لكن إذا أردتُ معرفة كل صفاته وأحواله السرية والعلنية، ولم أُقيد علمي بصفة معينة من صفاته، أطلقتُ هذا العلم بحذف هذا القيد، وقلتُ: علمتُ زيدًا، بمعنى: أنَّني علمتُ حقيقته التي هو عليها كما هي، لذا صح أن تقول: كنتُ أعرف زيدًا من قبل، لكني ما كنتُ أعلمه، وقد علمتُه الآن، وهذا هو المعنى المراد من قوله تعالى: (وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوا مِنكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ) فليس المعنى، ولقد عرفتم، قال الدكتور فاضل السامرائي: (( فليس معناه: عرفتم، لأنَّهم لا يعرفونهم، وبينهم القرون المتطاولة، ولكن معناه: أنَّكم علمتم أمرهم وحالهم ) ) [2] وقوله تعالى: (وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ
(1) الدر المصون 1/ 387.
(2) معاني النحو 2/ 9.