(( وقد يفرقون بينهما، فتقول لمن كان قائمًا: قعد، ولمن كان مضطجعًا أو ساجدًا: جلس ) ) [1] فقد بان الآن الفرق بينهما، فالقعود يكون عن قيام، ولهذا يقال: قعد عن الجهاد، ولا يقال: جلس عن الجهاد، كما قال تعالى: (لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلاًّ وَعَدَ اللّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا) {النساء: 95} ولذلك قرن القعود بالقيام لا بالجلوس، قال الله تعالى: (الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ) {آل عمران:91} وقال الله تعالى: (فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلاَةَ فَاذْكُرُوا اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا) {النساء: 103}
ولمَّا كان القعود عن قيام، فهو أشد تمكنًا من الجلوس الذي يكون عن نوم واضطجاع، بل قد يُؤثَر على القيام لممارسة الأعمال التي تتطلَّب التمكن من أدائها، والاستمرار عليها؛ ولهذا قال سبحانه: (قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ) {الأعراف: 16} قال: (لأَقْعُدَنَّ) ولم يقل: لأجلسنَّ، ولأنَّ الجلوس كان لما تقدم ذكره، فإنَّ الغرض منه طلب الراحة والاسترخاء، والمسامرة الأسرية والجماعية، والاستماع لأحاديث الآخرين، فهو حالة عامة، لذلك استعمل المجالس من دون المقاعد في قوله تعالى: (إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا) ويقال: قعد للجهاد، ولا يقال جلس للجهاد، والقعود أخص من الجلوس، فهناك مجلس الأمن، ومجلس الأمة، ومجلس الشورى، وفي كل مجلس مقاعد، قد خُصِّصَ كل
(1) بصائر ذوي التمييز 4/ 285.