فهرس الكتاب

الصفحة 303 من 618

يكون بإحداث غيره فيه كجعلك الطين خزفًا، وفعل الشيء إحداثه لا غير )) [1]

وقد وجدتُ أهل الوجوه يتكلفون أحيانًا في التأويل من أجل أن يختلقوا الوجه اختلاقًا، فقد استشهد العسكري لمعنى التخلية بقوله تعالى: (وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء) {الأنعام: 125} وقال: (( أي: يخلي بينه وبين ما يخرج به صدره من الكفر ) ) [2] وهذا خلاف التفسير الصحيح، فالله سبحانه في هذه الآية بيَّن لنا أنَّ الإنسان يضيق صدره معنويًّا عند ابتعاده عن هدى الله، وشبَّه هذا الضيق بالضيق الذي يصيب الإنسان في صدره ونفسه حين يصعد إلى السماء، وقد اكتشف حديثًا أنَّ هذا الضيق ناجم من أنَّ نسبة الأوكسجين والضغط الجوي يقلان كلما ارتفعنا إلى أعالي الجو، فلا يخفى إذن أنَّ العسكري تكلف في تأويل الآية من أجل اختلاق الوجه الذي ذكره.

وكذلك فَعَلَ في الوجه الذي جعله بمعنى منع الإلطاف، فقد استشهد له بقوله تعالى: (وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجَابًا مَّسْتُورًا) {الإسراء: 45} وقال: (( أي: تمنعه ألطافنا فيعرض عن القرآن، ولا ينتفع به ) ) [3] وهذا التأويل إن صح فهو تأويل لما تدل عليه الآية بصفة عامة، والمتعلق بدلالة قوله تعالى: (حِجَابًا مَّسْتُورًا) لا بقوله تعالى: (جَعَلْنَا)

(1) الوجوه والنظائر ص 112.

(2) الوجوه والنظائر ص 113.

(3) الوجوه والنظائر ص 113.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت