فهرس الكتاب

الصفحة 191 من 618

فهذا هو المعنى اللغوي للسعي وتعريفه، فهل ترى أنَّ هذه الأوجه الثلاثة خارجة عن هذا المعنى والتعريف؟! وبأيِّ مسوغ جعل مقاتل ومن تابعه السعي في الوجه الأول بمعنى المشي، أليس السعي في اللغة يعني الأسراع في المشي، وهو المعنى المراد أيضًا في الآية؟ فقوله تعالى: (يَأْتِينَكَ سَعْيًا) يعني: مسرعة في مشيها، وهذا المعنى مع أنَّه موافق للغة، فهو موافق للمقام؛ فلم يقل سبحانه: مشيًا، بل سعيًا، لأنَّه لم يرد المشي بل الإسراع فيه، ليطمئنَّ إبراهيم عليه السلام بأنَّ الحياة قد دبَّت فيهنَّ، بل صرن أكثر نشاطًا من أقرانهنَّ، حتى إنَّهنَّ، لم يأتينه ماشية، بل مسرعة في مشيهنَّ.

وكذلك جعله السعي بمعنى العمل في الوجه الثاني، والسعي لا يعني العمل، وإنَّما الإسراع فيه، وهذا يكون بالجد في العمل، وقد مرَّ قول الراغب: (( السعي: المشي السريع، وهو دون العدو، ويستعمل للجد في العمل، خيرًا كان أم شرًّا ) )

فمقاتل هنا ومن سار على منواله، اتبعوا من أجل اختلاق هذين الوجهين، سبيل تحريف معنى اللفظ في اللغة والقرآن الكريم. وهذه الطريقة في اختلاق الوجوه تضاف إلى الطرق الأُخر التي اتبعوها في الألفاظ السابقة.

أمَّا جعله يسعى بمعنى يسرع في الوجه الثالث، فهو لم يخرج عن معنى السعي؛ بل هذا هو معناه اللغوي في الأصل، كما ذكر أهل اللغة، فقد مرَّ مثلًا قول العسكري: (( السعي: أصله السرعة في المشي، ثم استعمل في غيره ) ) [1] وهذه طريقة أخرى لاختلاق الوجه، هي أنَّهم اتخذوا من معنى اللفظ وجهًا له، وهذا ما صرَّح به ابن الجوزي بقوله: (( الأصل في السعي،

(1) الوجوه والنظائر ص 179.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت