استعمل مثل هذه الألفاظ إلاَّ لتدل على معانيها العامة، ولم يستعملها بأي معنى خاص من معاني الوجوه التي نُسبت إليها من لدن أصحاب كتب الوجوه، لكن قد تجيء دلالة بعضها العامة مقتصرة على وجه معيَّن من دون أن يخرج عن دلالته، كما حصل هذا في قوله تعالى: (وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ) فالظلم هنا لم يخرج عن معناه، فقد أريد به أيضًا الظلم بعينه، لكن ليس بمعناه العام، وإنما قصره الشارع على ظلم الشرك، وما أراد الشرك بحد ذاته، إذ لو أراده لقيل: ولم يلبسوا إيمانهم بشرك، لكن لمَّا أراد صفة الظلم التي اشتملت عليه قال: (وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ) والغرض من ذلك هو التنبيه على أنَّ الحكم الذي تضمنته الآية كان مستندًا إلى ما تدل عليه صفة الموصوف الذي هو الظلم، لا على ما يدل عليه الموصوف الذي هو الشرك، وهذه قضية جديرة بالتذكير، فالعرب في الجاهلية مثلًا كانوا لا ينكرون أنَّ ما يفعلونه شرك، لكن كانوا ينكرون أنَّ شركهم هذا يُعد ظلمًا.
وصفوة ما تقدَّم تفصيله أنَّه قد أُريد من الظلم الظلم بعينه في كل شاهد من شواهد الأوجه المنسوبة إليه؛ لأنَّه لو أراد هذه الأوجه بأعيانها لعبَّر عن معانيها بألفاظها؛ بل من الظلم أن نذكر لفظ الظلم ونحن نبغي غير معناه، ومن الظلم أيضًا أن نُعبِّر عن المعنى بغير لفظه؛ لأنَّ في ذلك كله وضع الشيء في غير موضعه.
ومما يجدر ذكره في هذا المقام أنَّ الصحابة رضي الله عنهم، الذين نزل القرآن بين ظهرانيهم، وهم أهل العربية وأعلم الناس بلغة القرآن الكريم وألفاظه ومقاصدها، لم يكونوا يعلمون بأنَّ الظلم في الآية يعني ظلم الشرك، لو لم يخبرهم بذلك رسول الله صلى الله عليهم، لأنَّهم كانوا قد فهموا أنَّ