العرب في الجاهلية هو الشيطان؛ فقد كان للكهنة أولياء من الشياطين، يخبرونهم بما يسترقون من السمع في السماء؛ ليزينوا لهم عبادة الأصنام.
وقد سبق أن بيَّنتُ أنَّ السياق لا يمنح أي لفظ كان أية دلالة كانت، وإنَّما يُعيِّن دلالة موجودة حقيقة في اللفظ، أو هي موضوعة له في الأصل، وهذا ما يحصل في اللفظ المشترك الذي يحمل عدة معان مختلفة على حد سواء؛ حتى إنَّ أوجه هذا اللفظ معروفة مُسبَقًا، وقبل التعرف إليها في السياق، والطاغوت ليس من اللفظ المشترك، إلاَّ أنَّه من الألفاظ العامة التي جاز أن تُوصَف بها الألفاظ الخاصة التي تندرج ضمن معناه العام، وقد ورد كثيرًا في اللغة الوصف بالاسم الجامد، وكثر فيها أيضًا حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه، فلو صح مثلًا أنَّه أُريد من الطاغوت الشيطان، كما قيل في الوجه الأول في قوله تعالى: (فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ) لوجب أن يكون الطاغوت صفة لموصوف محذوف، هو الشيطان، والتقدير في الأصل: فمن يكفر بالشيطان الطاغوت، ويكون المراد من الطاغوت صفة الطاغوتية لا صفة الشيطانية؛ لأنَّه من المعلوم أنَّ الموصوف إذا حُذِف موصوفه تقوم الصفة مقامه في الحكم والإعراب، لكنها لا تقوم مقامه في الدلالة.
هذا إن صح ما ادعاه الوجوهيون، وعُدَّتْ (ال) الطاغوت عهدية لا جنسية، فصح أن يكون المراد منه الشيطان، أو الأوثان، أو كعب بن الأشرف اليهودي، إلاَّ أنَّه مع ذلك لا يصح أن تُسمَّى هذه المواضع الثلاثة أوجهًا، وإنَّما توهَّم مقاتل ومقلدوه بأنَّها كذلك؛ لأنَّهم درسوها دراسة معكوسة؛ والدراسة المستقيمة أن توصِف مثلًا كعبًا بالطاغوت، لا أن توصِف الطاغوت بكعب، فالقرآن الكريم لم يُسَمِّ الطاغوت شيطانًا،