وقوله: سوى إرادة حِبِّه؛ أي: ما لَهُ سوى مراد حِبِّه وإن خالف مراد نفسه كما قيل: من الوافر
أُرِيدُ وِصالَهُ وُيرِيدُ هَجْرِي ... فَأَتْرُكُ ما يُرِيدُ لِما يُرِيدُ
فهو أبدًا متضرع إلى الله، متوسل إليه بكل عمل صالح طلبًا لرضى مولاه كما قال الله تعالى: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} [سورة الكهف: 28] .
فالأبرار هم المريدون لوجه الله تعالى، ولَمَّا أرادوا وجهه سبحانه وتعالى دون غيره عوضهم عما أ] عرضوا عنه في الدنيا لوجهه بما عنده في الآخرة كما قال الله تعالى: {وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ} [سورة آل عمران: 198] .
... ] بعباده قوله: {حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} [سورة آل عمران: 92] .
وأتى بـ: (من) التبعيضية؛ أي: بعض ما تحبون.
ولو قال: حتى تنفقوا ما تحبون، لكان الأمر في غاية الشدة، فما أنفقوه أنفقوه لأمره، وما أمسكوه أمسكوه للقيام بأمره؛ فإنهم وما يملكون ويحبون لله تعالى، وتصرفهم فيما بأيديهم للخلافة عنه كما قال {وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ} [سورة الحديد: 7] .
والمحققون من العارفين يقولون: كل محبوب لنا هو المراد إنفاقه منا؛ فمنهم من خرج عن كل محبوباته، واقتصر على حاجته والضرورة، كما فعل أبو بكر رضي الله تعالى عنه حين تصدق بكل ماله لله تعالى، وكذلك فعل كثير من المهاجرين كأهل الصُّفة رضي الله تعالى عنهم.
ومنهم من عمد إلى أحب أمواله إليه، فخرج عنه لله تعالى كما فعل
عمر، وابنه، وأبو طلحة فيما نقلناه عنهم آنفًا.
ومنهم من فهم أن المراد بالبعض المراد إنفاقه من المحبوبات هو نفس العبد المنفق، ومعنى إنفاقها: بذلها في طاعة الله تعالى في كل أحوالها وأوقاتها، وإذا خرجت عن نفسك .... ] ما كان لها صار تبعًا لها لأن العبد وماله لسيده.
ولذلك قال جعفر الصادق رضي الله تعالى عنه: بذل الْمُهَج يصل العبد إلى بر حبيبه وقُرب مولاه، ثم قرأ: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} [سورة آل عمران: 92] .