قال مجاهد: لم يقل القوم ذلك حين أطعموهم، ولكن علمه الله من قلوبهم، فأثنى عليهم به ليرغب فيه راغب. رواه البيهقي، وغيره.
وروى إسحاق الختلي في كتاب"الديباج"عن ثور بن يزيد قال: مكتوب في بعض الكتب: القلب المحب لله يحب النَّصَب لله؛ فلا
تظن يا ابن آدم أن قدرك رفعه البر بغير مشقة.
وروى ابن أبي الدنيا في"الإخلاص"عن داود الطائي رحمه الله تعالى قال: البر همة التقي؛ ولو تعلقت جميع جوارحه بحب الدنيا لردته يوما نيته إلى أصله.
وقال ابن عطاء في قوله تعالى: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} [سورة آل عمران: 92: لن تصلوا إلى القربة وأنتم متعلقون بحظوظ أنفسكم.
ويجمع بينه وبين كلام الطائي بأنه في حال تعلق قلبه بالحظوظ لا بر له، غير أن لقلبه تعلقًا بربه في أصل الفطرة، فهذا لاحظته عين العناية تحركت دواعي الإيمان من قلبه فردته إلى أصل فطرته، كفرت ذنوبه فظهرت حظوظه، فإن غلب عليه ذلك فهو بَرٌّ، وإن استقام عليه فهو صِدِّيق.
وأقول: إنما كان نيل البر بإخراج بعض الباب وإنفاقها لأن الإيمان عبارة عن التصديق بالله، وبربوبيته وألوهيته، ولا يتم ذلك إلا بمحبته بدليل أن العبد لا يؤمن حتى يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما كما في الحديث الصحيح؛ فالمؤمن يدعي المحبة بإيمانه لأنها من لوازم
الإيمان, فلا يبر في دعواه إلا بإخراج بعض محابه من قلبه لأجل الله تعالى.
وعليه: فالبر في الآية بمعنى الصديق، كما يقال: بَرٌّ في يمينه؛ أي: ذا صدق.
ويظهر حينئذ حبه تسمية كل طاعة بر لأنها تظهر بر صاحبها؛ أي: صدقه في دعواه الإيمان والمحبة كما قال تعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [سورة آل عمران: 31] .
وروى ابن أبي الدنيا في كتاب"الرقة والبكاء"عن مضر رحمه الله تعالى قال: اجتمعنا ليلة على الساحل ومعنا مسلم أبو عبد الله، فقال رجل من المار: من الكامل
ما لِلْمُحِبِّ سِوى إِرادَةِ حِبِّهِ ... إِنَّ الْمُحِبَّ بِكُلِّ خَيْرٍ يَضْرَعُ
قال: فبكى مسلم حتى خشيت أن يموت.