قلت: وفي قوله: {عَلَى حُبِّهِ} [سورة البقرة: 177] ؛ يعني: المال: إشارةٌ إلى أن محبة المال لا تناقض البر، ولا تُخرج العبد عن كونه بارًّا إلا إذا
منعه] حب المال عن إنفاقه فيما يجب عليه كما قال تعالى: {كَلَّا بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (17) وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (18) وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا (19) وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا} [سورة الفجر: 17 - 20] .
قال ابن عباس، وقتادة: أي: شديدًا. رواهما ابن جرير.
وقال الحسن في قوله: {أَكْلًا لَمًّا} [سورة الفجر: 19: من طيب، أو خبيث.
وفي قوله: {حُبًّا جَمًّا} [سورة الفجر: 20] ؛ فاحشًا. رواه ابن أبي حاتم.
وعليه يحمل حديث الحسن مرسلاً:"حُبُّ الدُّنْيا رَأْسُ كُلِّ خَطِيئَةٍ". رواه البيهقي في"الشعب".
ويحتمل أن يكون معناه: أول كل خطيئة، أو: مبدؤها.
وروى الطبراني - بإسناد حسن - عن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"منْ أُشْرِبَ حُبَّ الدُّنيا الْتاطَ مِنْها بِثَلاثٍ: شَقاءٍ لا يَنْفَدُ عَناؤُهُ، وَحِرْصٍ لا يَبْلُغُ غِناهُ، وَأَمَلٍ لا يَبْلُغُ مُنْتَهاه".
وأما قوله: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ} [سورة الإنسان: 8] ؛ فقال مجاهد:
وهم يشتهونه. رواه البيهقي في"شعبه"، وغيرها، وفهم ذلك غيره من المفسرين.
وروى ابن سعد في"طبقاته"عن أم الأسود سُرِّيةِ الربيع بن خُثيم قالت: كان الربيع يعجبه السكر يأكله، فإذا جاءه السائل ناوله، فقلت: ما يصنع بالسكر؟ الخبز خير منه.
فقال: إني سمعت الله يقول: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ} [سورة الإنسان: 8] .
وعنده أنه يجوز أن يكون الضمير في قوله: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ} [سورة الإنسان: 8] عائدًا إلى اسم الله تعالى لتقدمه في قوله: {عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ} [سورة الإنسان: 6] ؛ أي: يطعمون الطعام لأجل محبة الله تعالى {مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (8) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا} [سورة الإنسان: 8، 9] .