يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: {فَاعْفُ عَنْهُمْ} فَتَجَاوَزْ يَا مُحَمَّدُ عَنْ تُبَّاعِكَ وَأَصْحَابِكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ بِكَ، وَبِمَا جِئْتَ بِهِ مِنْ عِنْدِي، مَا نَالَكَ مِنْ أَذَاهُمْ وَمَكْرُوهٍ فِي نَفْسِكَ {وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ} وَادْعُ رَبَّكَ لَهُمْ بِالْمَغْفِرَةِ لِمَا أَتَوْا مِنْ جُرْمٍ، وَاسْتَحَقُّوا عَلَيْهِ عُقُوبَةً مِنْهُ.
ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الْمَعْنَى الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ أَمَرَ تَعَالَى ذِكْرُهُ نَبِيَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُشَاوِرَهُمْ، وَمَا الْمَعْنَى الَّذِي أَمَرَهُ أَنْ يُشَاوِرَهُمْ فِيهِ؟
فَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْلِهِ: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ} بِمُشَاوَرَةِ أَصْحَابِهِ فِي مَكَايِدِ الْحَرْبِ وَعِنْدَ لِقَاءِ الْعَدُوِّ، تَطْيِيبًا مِنْهُ بِذَلِكَ أَنْفُسَهُمْ، وَتَأَلُّفًا لَهُمْ عَلَى دِينِهِمْ، وَلِيَرَوْا أَنَّهُ يَسْمَعُ مِنْهُمْ وَيَسْتَعِينُ بِهِمْ، وَإِنْ كَانَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ أَغْنَاهُ بِتَدْبِيرِهِ لَهُ أُمُورَهُ وَسِيَاسَتِهِ إِيَّاهُ وَتَقْوِيمِهِ أَسْبَابَهُ عَنْهُمْ.
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ أَمَرَهُ بِذَلِكَ فِي ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ لَهُ الرَّأْي وَأَصْوَبُ الْأُمُورِ فِي التَّدْبِيرِ، لِمَا عَلِمَ فِي الْمَشُورَةِ تَعَالَى ذِكْرُهُ مِنَ الْفَضْلِ
عَنِ الْحَسَنِ: «مَا شَاوَرَ قَوْمٌ قَطُّ، إِلَّا هُدُوا لِأَرْشَدِ أُمُورِهِمْ»