وقول الحق: {فَمَا وَهَنُواْ} أي ما ضعفوا ، إذن فهو يريد أن يأتي بالأسوة ، وكأنه سبحانه يقول: أنتم لماذا ضعفتم فِي موقفكم فِي غزوة أُحُد وأنتم تقاتلون مع رسول الله. لقد كان الأولى بكم أن يكون حماسكم فِي القتال معه أشد من حماس أي أتباع نبي مع نبيهم ؛ لأنه النبي الخاتم الذي سيضع المبدأ الذي ستقوم عليه الساعة ، ولن يأتي أحد بعده ، فكان يجب أن تتحمسوا ؛ فأنتم خير أمة أخرجت للناس ، وأنا ادخرتكم لذلك.
إن الحق يعطيهم المثل وفيه تعريض بهم وعتاب لهم ، وفي هذا القول تعليم أيضا ، فيقول: {وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ} أي وكثير من الأنبياء {قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَآ أَصَابَهُمْ} ونستوحي من كلمة {وَهَنُواْ} أي ما ضعفوا. فكأنه قد حدث فِي القتال ما يضعف ، {فَمَا وَهَنُواْ لِمَآ أَصَابَهُمْ} أي ما حدثت لهم نكسة مثلما حدثت لكم.
{وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ} . وكل من {وَهَنُواْ} و {ضَعُفُواْ} و {اسْتَكَانُواْ} هذه جاءت فِي موقعها الصحيح ؛ لأن"الوهن"بداية الضعف ، و"الوهن"محله القلب وهو ينضح على الجوارح ضعفا.
و {اسْتَكَانُواْ} ماذا تعني ؟ إنها من"سكن". والسكون تقابله الحركة.
والحرب تحتاج إلى حركة ، والذي يأتي للحرب فهو يحتاج إلى كرّ وفر. أما الذي لا يتحرك فهذا معناه أنه ليس لديه قدرة على أن يتحرك ، وساعة تسمع - الألف والسين والتاء - وتأتي بعدها كلمة ، نعلم أن (الألف والسين والتاء) للطلب ،"فاسْتَفْهَم"أي طلب أن يفهم ، وهي تأتي لطلب المادة التي بعدها. كأن نقول:"استعلم"أي طلب أن يعلم ، أو نقول:"استخبر"أي طلب الخبر ، و"استكان"يعني طلب له كوْناً أي وجوداً ، فكأنهم بلغوا من الوهن ومن الضعف مبلغاً يطلبون فيه أن يكون لهم مجرد وجود ؛ لأن الوجود مظهره الحركة ، والحركة انتهت ، هذا هو معنى {اسْتَكَانُواْ} .