وما دامت مِن الكون يكون وزنها - مثلما يقول الصرفيون -"استفعل"يعني طلب الكون ، وطلب الوجود ، وقد يكون وزنها ليس كذلك ؛ إذا كانت من سكن ، وهي بهذا الاعتبار لا يكون فيها طلب ؛ لأن السين ستكون أصلية ، فوزنها ليس"استفعل"بل هو"افتعل"فـ"استكانوا"هل تعني أنهم طلبوا السكون ؟ لا ؛ لأنهم كانوا ساكنين ، إذن فالأولى أن يكون معناها أنهم طلبوا مجرد الوجود ، هذا ما أميل إليه وأرجحه ، وقيل فِي معناها: فما خضعوا وما ذَلوا من الاستكانة: وهي الذلة والخضوع.
{فَمَا وَهَنُواْ لِمَآ أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ} فما يصيب العبد ابتلاء من الله ، وفي الحديث:"إذا أحب الله قوما ابتلاهم". وكل ذلك الوهن والضعف ، لا يشغلهم عن المعركة ، لأنهم لو صبروا على التحمل لأمدهم الله بمدد من عنده ؛ لأنه حين تفرغ أسباب الخلق وتنتهي يأتي إمداد الخالق.
ويلفتنا الحق سبحانه وتعالى بتذييل الآية: {وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ} أي وكفى جزاء عن الصبر أن تكون محبوبا لله ؛ لأننا قلنا سابقا: قد نحب الله لنعمه التي أنعمها علينا ، ولكن المسألة ليست فِي أن تحب الله أنت ، وإنما فِي أن تصير بتطبيق منهجه فيك محبوبا لله. وقد أثر عن بعضهم قوله:
وإلا أَلم تَرَ كثيراً أحَبَّ ولم يُحَبْ ؟!!
أنت أحببت للنعم ، ولكنك تريد أن تكون محبوبا من الله ؛ لأن حبك للنعم لا يكفي ، فمثل هذه النعم أخذها الكافر أيضاً ، إذن فهناك حاجة أخرى. هناك مقدم وهناك ومؤخر فالمقدم هو نعم الحياة وكل البشر شركاء فيها مؤمنهم وكافرهم ، ولكن المؤخر هو جزاء الله فِي الآخرة وهو الأصل.