فـ {وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ} فما دمتم على الإيمان فأنتم الأعلون ، وإذا أردتم أن تعرفوا معنى"الأعوان"حقاً ، فقارنوا معركة"أُحُد"بمعركة"بدر"، هم قتلوا منكم فِي أُحُد ، وأنتم قتلتم منهم فِي بدر. ولكنكم أسرتم منهم فِي بدر ، ولم يأسروا منكم أحداً فِي"أُحُد". وأنتم غنمتم فِي بدر ، ولم يغنموا شيئاً فِي أُحُد.
وأنتم الأعلون لأن الله حمى مدينتكم مع أنه لا محامية فيها ممن يكون فيه معنى الجندية. كل ذلك وأنتم الأعلون ، هذا إذا نظرنا إلى معركة بمعركة. وإن نظرنا إلى المعركة نفسها"أُحُد"وندع بدراً وحدها ، فِي ظل قوله تعالى: {وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ} لقد ثبتت تلك القضية لأنكم حينما كنتم مؤمنين - ومن شرط الإيمان اتباع أمر الذي لا ينطق عن الهوى - انتصرتم. وانتصرتم انتصاراً رائعا ؛ لأنكم قتلتم فِي أول جولة للحرب بضعاً وعشرين من صناديدهم وفيهم صاحب الراية. ولكنكم حينما خالفتم أمرالنبي صلى الله عليه وسلم ، تلخلخ الإيمان فِي قلوبكم.
إذن فالعملية التي حدثت تؤكد صدق {وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ} . فأنتم علوتم فِي أول الأمر ، وعندما خالفتم الأمر صار لكم ما صار ؛ فقد صدقت القضية فِي قول الله: {وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ} .
وأيضا فإنكم لو نظرتم إلى المعركة نفسها لوجدتم أن عدوّكم لم يبق فِي أرض المعركة ، بل أنتم الذين بقيتم فِي موضع المعركة. وأين ذهب هو ؟ أذهب إلى موقع آخر ينال فيه غلبة ونصرا ؟ لم يكن هناك إلا المدينة ، والمدينة ليس فيها أحد ، ولم يذهب عدوكم إلى هناك ، وإنما ذهب ناحية مكة ، إذن فهو الذي هرب.
وبعد ذلك ماذا حدث ؟ ألم يؤذن مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم فِي الناس ويطلب العدوّ مرهباً له ليظنوا به القوة ، وإن الذي أصابهم لم يوهنهم عن عدوهم ؟