قيل: أراد النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أن يدعو عليهم بالاستئصال، فنزلت هذه الآية، وذلك لعلمه أن أكثرهم يسلمون. فمعنى الآية: ليس لك مسألة هلاكهم والدعاء عليهم، لأنه تعالى أعلم بمصالحهم، فربما تاب على من يشاء منهم. وقوله: {أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ} معطوف على قوله: {لِيَقْطَعَ طَرَفًا} وقوله: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ} كلامٌ معترض بين المعطوف والمعطوف عليه كما مر آنفًا.
وتقدير الكلام: ولقد نصركم الله أيها المؤمنون في يوم بدر، ليقطع طرفًا من الذين كفروا بالقتل، أو يكبتهم بالهزيمة، أو يتوب عليهم بالإِسلام، إن أسلموا {أَوْ يُعَذِّبَهُمْ} على الكفر إن أصروا؛ فإنهم ظالمون، ليس لك من الأمر شيء ، بل الأمر أمري في ذلك كله، وقوله: {فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ} هو كالتعليل لعذابهم، والمعنى: إنما يعذبهم؛ لأنهم ظالمون أنفسهم بالإصرار على الكفر مستحقون للتعذيب.
قال بعض العلماء: والحكمة في منعه - صلى الله عليه وسلم - من الدعاء عليهم، ولعنهم أن الله تعالى علم من حال بعض الكفار أنه سيسلم فيتوب عليه، أو سيولد من بعضهم ولد يكون مسلمًا برًّا تقيًّا. فلأجل هذا المعنى منعه الله تعالى من الدعاء عليهم؛ لأن دعوته - صلى الله عليه وسلم - مستجابة، فلو دعا عليهم بالهلاك هلكوا جميعًا، لكن اقتضت حكمة الله، وما سبق في علمه إبقائهم ليتوب على بعضهم، وسيخرج من بعضهم ذرية صالحة مؤمنة، ويهلك بعضهم بالقتل والموت.
وفي هذا الكلام تأديب من الله لرسوله - صلى الله عليه وسلم - وإعلامٌ له بأن الدعاء على المشركين، ولعنهم مما لم يكن ينبغي منك. إذ الأمر كله لله، وليس لأحد من أهل السماوات والأرض شركة معه، ولا رأيٌ ولا تدبير فيهما، وإن كان ملكًا مقربًا أو نبيًّا مرسلًا إلا من سخره الله للقيام بشيء من ذلك؛ فيكون خاضعًا لذلك التسخير لا يستطيع الخروج فيه عن السنن العامة التي قام بها نظام الكون، ونظام الاجتماع.