أما من ناحية الشريعة فلا نريد أن نصدر للإسلام
الحكم قبل أن نفحص شريعته ونضعها فِي الميزان.
وما دمنا مؤمنين حق الإيمان بوحدانية الله وبأنه
خالق الكون كله ، فإن من البديهي أن نؤمن بأن الله جل
جلاله أعلم بعباده وأعلم بما هو صالح لهم وبما هو غير صالح.
وما دمنا مؤمنين بذلك فطبيعي أن نؤمن بأن ما شرع
الله لعباده خير من شريعة البشر .
وكل ما كبر عقل الإنسان واتسعت آفاق علمه وثقافته
ازداد إيماناً بنقصه وجهله ، وما يبلغ الغرور بإنسان إلى أن
يدعي الكمال لنفسه ، فأصحاب أكبر العقول فِي العالم
وأعظم الناس ثقافة يعرفون أكثر من غيرهم أنهم ناقصون ،
ومهما بلغوا من العلم فهم يعلمون أن ما علموا لا يذكر
بجانب ما لم يعلموا ، فإذا فتح أمامهم باب من العلم أدركوا
أن ما أغلق من أبوابه كثير.
فهذا الإنسان الكبير بعلمه ومعرفته وإدراكه وعقله
ناقص ، وهو مؤمن بذلك أشد الإيمان ، وطبيعي أن يكون
ما يصدر عن الناقص موصوفاً بالنقص ، واستدراك العلماء
بعضهم على بعض برهان النقص الذي يعترفون به.
فإذا شرع الإنسان الناقص شرعاً كان ناقصاً ، وهذا ما
نشهده فِي كل شريعة يشرعها ، وتبدل الشرائع الوضعية
بحسب الزمان والمكان وتقدم الإنسان وتأخره برهان على
أن الناقص يلد الناقص.
فشريعة البشر التي يضعونها شريعة ناقصة ، ومنذ وضع
الإنسان الشرائع وهي خاضعة للتغيير الدائم المطرد.
أما شريعة الله فكاملة ، لأن الله كامل ، وإذا كانت
شريعة قوم نوح غير صالحة لقوم إبراهيم أو محمد فليس
لنقص فِي الشريعة التي شرعها الله ، فإذا لم يصلح ثوب زيد
لعمرو فليس سببه نقص أو عيب فِي الثوب المفصل لزيد ،
فهو تام بالنسبة له ، وصالح له أتم الصلاح ، لأنه مفصل على
قَدِّه ، وكذلك شريعة قوم نوح صالحة لهم وحدهم ، لأنها
مفصلة عليهم ، فهي تامة لهم.
فإذا جاء قوم غير قوم نوح أعطاهم الله شرعاً يسعهم