ويصلح لهم ، وهكذا الأمر بالنسبة للأقوام الآخرين.
فلما أراد الله أن يبعث إلى الناس كافة رسولاً أرسل
لهم معه شريعة من عنده ، ولما كان هذا الرسول الكريم آخر
رسله زوده بشريعة كاملة غير قابلة فِي أصولها إلى إضافة
جديدة ، لأن الكامل يأبى الإضافة ، وإلا لما كان كاملاً.
ومن أظهر الفوارق البينة بين شريعة الله وشريعة
البشر أن شريعة الله هي التي تنشئُ مجتمعها ، أما شريعة
البشر فإن مجتمع البشر هو الذي ينشئُ شريعته ، وشتان
ما بينهما ، وما أعظم الفارق بين الشرعين.
فشريعة الإسلام شرعها الله ، فهي لا تتغير ، لأن من
أبدعها لا يتغير ، فهي ثابتة ، وليس كل ثبات جموداً ،
وثبات الشمس أو الأرض ليس بجمود ، والثبات هنا بقاء
الشمس أو الأرض على حالها وطبيعتها.
ويدرك الإسلام أن جديداً كثيراً من الأحكام
والأشياء سيجدُّ على البشرية فوضع الأصول التي لا يعتريها
التغيير ، ووضع لا يجدُّ قواعد وأصولاً ، وجعل باب
الاجتهاد مفتوحاً على الدوام ، فيضع الإنسان للجديد ما
يناسبه ويصلح له ، دون أن يكون هذا الجديد الموضوع من
قبل الفكر الإنساني الطُّلعة العبقري إضافة إلى الأصول
الثابتة ، بل هو فرع يصدر عنها ، وموصول بها.
قد تحتاج المدينة إلى طريق تمهده ، فتدعو الحاجة
عندما تتسع المدينة وتكبر إلى مدِّ الطريق ، وقد يكون ما
يضاف إلى الطربق القديم أكثر طولاً وعرضاً ، وما يسمى
هذا الجديد المضاف بديلاً عنه ولا نقصاً فيه ، لأنه مدٌّ
اقتضته الحاجة ، كذلك الجديد من الأحكام.
وأصول الشريعة الإسلامية تفتح الباب لاستقبال كل
جديد ، وسيرى القارئ فِي الفصل المعقود بعنوان
"وفاء الفقه الإسلامي لهذا العصر وكل عصر"
مصداق ذلك.
وصلاح الشريعة الإسلامية لكل زمان ومكان أمر
أثبته الواقع ، فقد صلُحت لحكم الحجاز وجزيرة العرب ،
ولما اتسع الفتح الإسلامي ثبت صلاحها لأعظم الأقطار