قوله سبحانه: {ولا تكونوا كالذين تفرقوا} فِي النظم وجهان: أحدهما أنه تعالى ذكر فِي الآيات المتقدمة أنه بين فِي التوراة والإنجيل ما يدل على صحة دين الإسلام ، ثم إن أهل الكتاب حسدوا محمداً فاحتالوا لإلقاء الشكوك فِي تلك النصوص ، ثم انجز الكلام إلى أنه أمر المؤمنين بالدعاء إلى الخير ، فختم الكلام بتحذير المؤمنين من مثل فعل أهل الكتاب من إلقاء الشبهات فِي النصوص واستخراج التأويلات الفاسدة ، فعلى هذا تكون الآية من تتمة الآيات المتقدمة . وثانيهما أنه لما أمر الأمة بالأمر بالمعروف والنهي عن ضده وكان ذلك مما لا يتم إلا بالقدرة على تنفيذه ، كيف وفي الناس ظلمة ومتغلبون ، فلا جرم حذر أهل الحق أن يتفرقوا ويختلفوا كيلا يصير ذلك سبباً لعجزهم عن القيام بهذا التكليف ، وعلى هذا تكون الآية من تتمة الآية السابقة فقط . قال بعضهم: تفرقوا واختلفوا مؤداهما واحد والتكرير للتأكيد . وقيل: معناهما مختلف . تفرقوا بالعداوة واختلفوا فِي الدين . أو تفرقوا بسبب التأويلات الفاسدة للنصوص ، واختلفوا كل منهم نصرة قوله . أو تفرقوا بأبدانهم بأن صار كل من الأحبار رئيسا فِي بلد ، واختلفوا بأن صار كل منهم يدعي أنه على الحق وصاحبه على الباطل . ولعل الإنصاف أن أكثر علماء الزمان بهذه الصفة فنسأل الله العصمة والسداد . {وأولئك} اليهود والنصارى الذين اختلفوا من بعد ما جاءهم الدلالات الواضحة والنصوص الظاهرة ، أو أولئك الذين اقتفوا آثارهم من مبتدعه هذه الأمة {لهم عذاب عظيم يوم تبيض وجوه وتسود وجوه} وفي تعليق الظرف بقوله {لهم} فائدتان: إحداهما أن ذلك العذاب فِي هذا اليوم ، والأخرى أن من حكم هذا اليوم أن يبيض بعض الوجوه ويسود بعضها ونظير ذلك فِي القرآن: {وجوه يومئذٍ مسفرة ضاحكة مستبشرة ووجوه يومئذ عليها غبرة ترهقها قترة} [عبس: 38 - 41] وفي أمثال هذه الألوان للمفسرين قولان: أحدهما - وإليه ميل أبي مسلم -: أن البياض