ثالثا: أن الله تعالى يذكر أنهم شهدوا بأن الرسول حق، وجاء الحق وصفا للرسول، ولعل الظاهر أن يكون وصفا لما جاء به وهو القرآن، ولكن وصف به؛ لأن اليهود ما كانوا ينكرون الشرائع السماوية، وما كان السبب في كفرهم هو ما جاء به النبي - صلى الله عليه وسلم -، بل كان السبب هو الحسد لشخصه وللعرب، فأشار سبحانه إلى أنهم كانوا يشهدون لشخصه، فأوصافه عندهم، وكانوا يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، فشهادتهم منصبة على شخص الرسول صلوات الله وسلامه عليه، فهم يعرفون شخصه من أوصافه فهو في علمهم حق وكل ما جاء به هو الحق.
(وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) ذيل الله سبحانه وتعالى الآية بهذا النص الحكيم للإشارة إلى أنهم ظالمون، فهم ظلموا أنفسهم، وظلموا الرسول! وظلموا الحقائق وطمسوا على بصائرهم، فلا يمكن أن تدخل الهداية إلى قلوبهم، وفي النص الكريم إشارة إلى أن الظلم يحدث في نفس الظالم ظلمة شديدة لَا ينفع معها ضوء. فتغلق كل الأبواب التي ينفذ منها النور إلى موضع الإدراك، إذ إن أساس الظلم هو تسلط الهوى والغرض الفاسد والحقد والحسد على النفس،
فتنحرف عن مدارك الحق ومشارق العرفان، فلا يمكن أن يكون للهداية موضع في النفس، فلا يهديه الله سبحانه، وإن الظلم بطبيعته يفسد الإدراك كله؛ لأن إدراك الحقائق يستلزم صدق النفس في طلبها، وصدق النفس في طلب الحقائق لَا يمكن أن يكون مع الظلم. الذي يجعل الهوى مسيطرا، فالظلم ظلمات في النفس، وظلمات يوم القيامة.
(أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ(87)