قَالَ: فَغَسَّلَتْهُ المِلائِكَة بِالمَاءِ وَالسِّدْرِ وِتْرًا، وَكَفَّنُوْهُ فِيْ وِتْرٍ مِنَ الثِّيَابِ وَألْحَدُوْا لَهُ وَدَفَنُوْهُ وَقَالُوْا: هَذَهِ سُنَّةُ وَلَدِ آدَمَ مِنْ بَعْدِهِ"."
وقوله هذا يجوز أن يكون إشارة إلى ما فعلوه به من التغسيل والتكفين والدفن، فيكون ذلك مشروعاً في سائر الملل منذ عهد آدم عليه السلام.
ويجوز أن يكون إشارة إلى الموت؛ والمعنى: كما أن الموت نزل بآدم عليه السلام، فهو سنة باقية في أولاده لابدَّ من استقصائهم بالموت، كما قال تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ} [سورة الأنبياء: 35] .
وما أحسن قول كعب بن زهير - رضي الله عنه: من البسيط
كُلُّ ابْنِ أُنْثَى وَإِنْ طالَتْ سَلامَتُهُ ... يَوْماً عَلى آلَةٍ حَدْباءَ مَحْمُولُ
وروى الدينوري في"المجالسة"عن أبي عمرو بن العلاء قال: أول شعر قيل في ذم الدنيا قول يزيد بن حذَّاق بن عبد القيس: من البسيط
هَلْ لِلْفَتى مِنْ مَساةِ الدَّهْرِ مِنْ راقِ ... أَمْ هَلْ لَهُ مِنْ حِمامِ الْمَوْتِ مِنْ واقِ
قَدْ رَجَّلُونِي وَما بِالشَّعْرِ مِنْ شَعَثٍ ... وَأَلْبَسُونِي ثِياباً غَيْرَ أَخْلاقِ
فَطَيَّبُونِي وَقالُوا أَيُّما رَجُلٍ ... وَأَدْرَجُونِي كَأَنِّي طَيُّ مِخْراقِ
وَأَرْسَلُوا فِتْيةً مِنْ خَيْرِهِمْ حَسَباً ... وَأَسْنَدُوا فِيْ ضَرِيْحِ التُّرْبِ أَطْباقِي
وَقَسَّمُوا الْمالَ وَارْفَضَّتْ عَوائِدُهُمْ ... وَقالَ قائِلُهُمْ ماتَ ابْنُ حذَّاقِ
هَوِّنْ عَلَيْكَ وَلا تُوْلَعْ بِإِشْفاقٍ ... فإنَّما مالَنا لِلْوارِثِ الْباقِي
* فائِدَةٌ:
روى الدينوري عن معاذ بن رفاعة رحمه الله قال: مرَّ يحيى بن زكريا عليهما السلام بقبر دانيال النبي عليه السلام، فسمع صوتاً من القبر يقول: سبحان من تعزز بالقدرة، وقهر العباد بالموت، فإذا هو بصوت من السماء: أنا الذي تعززت بالقدرة، وقهرت العباد بالموت]، مَنْ قالهنَّ استغفرت له السماوات السبع والأرضون، ومن فيهن.