وكذلك لما اتفقوا على أنه حي عالم حقيقة ، قادر حقيقة لم يكن مرادهم أنه مثل المخلوق الذي هو حي عليم قدير . فإن كان المستمع يظن أن ظاهر الصفات تماثل صفات المخلوقين لزمه أن لا يكون شيء من ظاهر ذلك مراداً . وإن كان يعتقد أن ظاهرها ما يليق بالخالق ويختص به لم يكن له نفي هذا الظاهر ، ونفي أن يكون مراداً إلا بدليل يدل على النفي . وليس فِي العقل ولا السمع ما ينفي هذا إلا من جنس ما ينفي به سائر الصفات ، فيكون الكلام فِي الجميع واحداً .
وحينئذ فلا يجوز أن يقال: إن الظاهر غير مراد بهذا التفسير . وبالجملة ، فمن قال: إن الظاهر غير مراد - بمعنى أن صفات المخلوقين غير مرادة - قلنا له: أصبت فِي المعنى ولكن أخطأت فِي اللفظ ، وأوهمت البدعة ، وجعلت للجهمية طريقا إلى غرضهم ، وكان يمكنك أن تقول: تمر كما جاءت على ظاهرها مع العلم بأن صفات الله ليست كصفات المخلوقين ، وأنه منزه مقدس عن كل ما يلزم منه حدوثه أو نقصه . ومن قال: الظاهر غير مراد بالتفسير الثاني: وهو مراد الجهمية ومن تبعهم ؛ فقد أخطأ . وإنما أتي من أخطأ من قبل أنه يتوهم - فِي بعض الصفات أو فِي كثير منها أو أكثرها أو كلها - أنها تماثل صفات المخلوقين ، ثم يريد أن ينفي ذلك الذي فهمه ، فيقع فِي أربعة أنواع من المحاذير:
أحدها: كونه مثّل ما فهمه من النصوص بصفات المخلوقين ، وظن أن مدلول النصوص هو التمثيل .
الثاني: أنه إذا جعل ذلك هو مفهومها وعطّله ، بقيت النصوص معطلة عما دلت عليه من إثبات الصفات اللائقة بالله . فيبقى مع جنايته على النصوص وظنه السيء الذي ظنه بالله ورسوله - حيث ظن أن الذي يفهم من كلامهما هو التمثيل الباطل - قد عطل ما أودع الله ورسوله فِي كلامهما من إثبات الصفات لله والمعاني الإلهية اللائقة بجلال الله تعالى .
الثالث: أنه ينفي تلك الصفات عن الله عز وجل بغير علم ، فيكون معطلاً لما يستحقه الرب .