والمطلب الثاني: حسنة في الآخرة، أي حال حسنة في الآخرة، بأن يكون من المرضيِّ عنهم من رب العالمين، فلا تلحقه آثام من آثام الدنيا. والمطالبة بالحال الحسنة في الآخرة هي مطالبة بأن يجنبه السيئات في الدنيا، ويوفقه للطاعات فيها، لأن حال الآخرة مبنية على حال الدنيا، فإن كان قائما بالطاعات نافعا للناس فيها غير ظالم ولا متكبر، لَا يعيث في الأرض فسادًا، فحاله في الآخرة حسنة؛ وإن انهوى في الشر وركبته الآثام في الدنيا، وأحاطت به خطيئته، فليست حاله في الآخرة حسنة.
والمطلب الثالث: أن يقيه عذاب النار، وقد ذكر ذلك مطلبا قائما بذاته مع أنه داخل في حسنة الآخرة؛ إذ إن حسنة الآخرة تقتضي ألا يكون في النار، لأن المؤمن الخاشع الخاضع يُغلِّب الخوف على الرجاء، فكلما ازداد قربا من الله ازدادت خشيته ورهبته، وكلما أكثر من الطاعات استصغر ما صنع في جانب ما أنعم عليه الكبير المتعال، ولذلك كان الصديقون والنبيون أخوف لله من غيرهم لأنهم أقرب إليه، وأدنى منه، ومراتب الناس في الخوف من العقاب هي كمراتبهم في الطاعات لا كدركاتهم في المعاصي، لأن أهل المعاصي في لهو شاغل، أما أهل الطاعات فهم في ذكر لله دائم، وقد وصف الله الطائعين بقوله: (الَّذينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّه وَجِلَتْ قلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوكَّلُونَ) .
ولقد وصف القاسم بن عبد الرحمن ذلك القسم الذي يطلب حسنة الدنيا والآخرة، فقال: من أعطى قلبا شاكرا، ولسانا ذاكرا، وجسدا صابرا، فقد أوتي في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، ووقي عذاب النار.
ولقد كان أكثر دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم -"ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار".
ولم يذكر قسم ثالث وهو الذي يطلب الآخرة فقط، ولا يطلب الدنيا؛ لأن الإسلام لَا يرضى أن ينسى المسلم حظه من الدنيا؛ ولأن من يطلب الآخرة يطلب الأعمال الحسنة في الدنيا؛ لأنها قنطرة الآخرة، ولأن الإسلام لَا يقر الانقطاع عن طيبات الدنيا لحظ الآخرة لأنه لَا يرضى بتعذيب الجسم لتهذيب الروح كما يزعم الذين يسلكون ذلك المسلك.