ولقد روي أن النبي صلّى الله عليه وسلّم حينما منعه أهل مكة مع المسلمين من أداء العمرة عام الحديبية على ما ذكرناه آنفا نحر هديه في الحديبية وتحلل من الإحرام أي حلق رأسه ولبس ثيابه العادية وأمر المسلمين بذلك. وعلى ضوء هذه الرواية التي يؤيدها حديث رواه البخاري عن ابن عمر يتبادر لنا أن الكلام من جملة وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ إلى آخر الآية مستأنف وليس تتمة لأول الآية. فالمنع إذا كان
بخاصة خوفا من عدو أو خطر قتل وقتال وأسر يحول دون بلوغ الهدي محله في حين أن جملة وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ تنهى عن التحلل من الإحرام بحلق الرأس قبل بلوغ الهدي إلى المكان الذي ينبغي أن يذبح فيه وهو منطقة الكعبة. وإذا صح هذا فيكون أول الآية قد احتوى حكما في حالة المنع وهو تقريب القرابين في المحل الذي وقف فيه المسلم ثم احتوت بقيتها أحكاما متنوعة في حالة الأمن وعدم المنع القهري.
وعدم حلق الرأس أثناء الإحرام وما يدخل في مداه مما نهت عنه السنّة من لبس الثياب المخيطة والتطيب والجماع إلخ ... وكذلك تقريب القرابين إلى الله في موسم الحج وزيارة العمرة كل ذلك من المناسك التي كانت متبعة قبل الإسلام على ما تلهمه روح الآيات والروايات المروية فثبتت في الإسلام مع بعض الرخص والتيسير اتساقا مع المبدأ القرآني الذي يقرر أن الله إنما يريد بالمسلمين اليسر لا العسر ولا يكلّفهم إلا وسعهم.