الأول: أن يكون"افعل"أمراً بما تقدم فعله نحو ، {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا} الثاني: أن يكون الأمر بشيء هو من أبعاض ذلك الفعل وفي أثنائه ، نحو:"إذا صليت فاركع واسجد"، والثالث: أن يكون بعده ، نحو: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا} والآية ، محمولة على ذلك تنبيها ففي ابتداء النسك ذكر ، وهو التلبية وفي أثنائه ذكر ، وهو عند المشعر والطواف ، وفي انتهائه ذكر ، وهو شكر الله - عز وجل - وذكره عند طواف الوداع ، ولما كان الذكر ذكرين ، ذكر بالقلب ، وذكر باللسان تتناولهما الآية ، ولما كان الإنسان لا يتشكك فِي أن أباه أحد أسباب وجوده ، وأنه منه أوجد ولا ينسى ذكره فِي شيء من أحواله ، وكانوا يتبجحون بمكانه ، ويفتخرون بكونهم عنه ، أمروا أن يذكروا الله كذكرهم آباءهم وأن يتحققوا أنه تعالى سبب وجودهما ، بل سبب وجود آبائهم ، وأن يفتخروا به كافتخارهم بآبائهم ، وقد روي أنهم كانوا يفتخرون بأبائهم بعد فراغهم من حجهم ، فأبطل الله ذلك ، وعليه نبه النبي ...
بقوله:"إن الله تعالى أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعظيمها بالآباء ، فالناس من آدم ، وآدم من تراب ، ولا فضل"
لعربي على عجمي إلا بالتقوى"، ثم تلا قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} ..."
وقوله: {أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا} تنبيه أنه إذا كان الأب يذكر لأنه سبب ما لوجودكم ، فالباري - عز وجل - أولى بأن يذكر..
إن قيل: كيف خير بين أن يذكر كل كر الآباء وبين أن يذكر أشده ذكراً ؟