قيل: لفظ أو وإن كان للتخيير ، فمقتضى الكلام على إيجاب أن يكون ذكره أشد ، لأنه لما نبه علي موضع نعمتهما أعنى نعمة الأب ونعمة الله - عز وجل - وشكر المنعم بقدر عظمة نعمته ، وقد علم فضل نعمته تعالى على فضل نعمة الأب ، فصار ذلك منبها أن ذكر الله أوجب وقوله:
{مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا} إشارة إلى ما روي أنهم كانوا يقولون:"اللهم أكثر مالنا ، وأولادنا وأنزل الغيث علينا ، وأنبت مرعانا"، ولا يسألون شيئاً من أمور أخرجهم ، وإنما سألوه الدنيا دون الآخرة ، لأنهم عرفوها ولم يعرفوا اللآخرة ، وكيف يسال الآخرة من لا يعرفها ؟ ، وكيف يعرفها من لم يتحقق كونها ؟ ، وكيف يتحقق كونها من لم يبصرها ؟ أي لم تدركها بصيرته ؟ وليس يعني بقوله: (يقول) التفوه بذلك فقط ، بل صرف العناية إليها والاهتمام بها ، والخلاقُ نصيب الإنسان من أفعاله المحمودة التي تكون خلقاً له ، وذلك أن الفعل قد يحصل من الإنسان تخلفاً ، وقد يحصل منه خلقاً وهو المحمود ، وفي قوله: {وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ} تنبية أن الأريحية لهم صادقة صادرة عن أخلاقهم ..
قوله - عز وجل -:
{وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ}
الآية (201) - سورة البقرة.
لما أجرى الله تعالى العادة أن لابد للإنسان من أخيارهم وأشرارهم من بلغه فِي الدنيا ، صار المؤمن يطلبها كما يطلبها الكافر ، لكان طلب المؤمن لها علي سبيل الغرض قدر ما يحس ، وفي وقت ما يحسن ، ولأجل الحاجة إليها..
قال بعض الصالحين:"اللهم وسع الدنيا عليّ ، وزهذني فيها ، ولا تضيقها عليَّ فترغبني فيها".