والثاني: للمدح اعتبارا بموجود تمام الصورة المختصة بالإنسانية ، وليس ذلك فِي هذه اللفظة فقط ، بل فِي اسم كل جنس ونوع ، نحو: هذا فرس ، وفلان رجل ، وليس هذا بفرس ولا فلان برجل ، أي ليس فيه معناه الخاص بنوعه ، وبهذا النظر نفى السمع والبصر عن الكفار ، فعلى هذا سمى إبراهيم الناس على سبيل المدح [على وجه أخر] وهو أن الواحد يسمى باسم الجماعة تنبيهاً أنه يقوم مقامهم فِي الحكم ، وعلى هذا قول الشاعر:
ويرى فيحْسبُهُ القتيلُ قتيلاً ...
وقال: تستجمعي الخلقَ فِي تمثالٍ إنسانٍ
وقال: وليسَ من الله بمستنكرٍ ...
أن يجمع العالم فِي واحد
وعلى هذا قال تعالي: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً} ، وقوله: {مِنْ حَيْثُ} أي من عرفَةَ ، وقيل: من المزدلفة ، وهو أقرب ، لأن بعده: {فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ} ، والاستغفار ، والتوبة ، والإنابة ، والأوبة تتقارب ، لكن الاستغفار [طلب] غفر الذنب ، والتوبة تركه ، والإنابة: الرجوع عن الضلال إلى الهدى ، والأوبة رجوع القلب إلي الله تعالى ، وهذه المعاني وإن كانت متلازمة ، فألفاظها اختلفت
لاختلاف النظرات ، فأمر تعالى بالاستغفار له عن الاشتغال بغيره من أمور الدنيا ، وبين أن الله تعالى غفور للمطيعين ، رحيم بالعاصين ، يدعوهم برحمته إلي بابه ، ويرغبهم فِي جزيل ثوابه...
قوله - عز وجل -:
{فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ}
الآية (200) - سورة البقرة.
القضاء: فصل الأمر ، والنسك أخذ النفس ببلوغ غاية العبادة ، واختص فِي تعارف أهل الفقه بعمل الحج وبالذبيحة حتى سميت نسيكة ، كما سميت قرباناً ، وقولهم: إذا فعلت كذا فافعل كذا ، يقال على ثلاثة أوجه: