وأمّا خبث الدم فلأنه جوهر مرتكس عن حال الطعام ، ولم يبلغ بعد إلى حال الأعضاء فهو ميتة .
وقال الإمام ابن تيمية: حرّم الدم المسفوح لأنه مجمع قوى النفس الشهوية الغضبية ، وزيادته توجب طغيان هذه القوى ، وهو مجرى الشيطان من البدن ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم ) .
وأما خبث لحم الخنزير: فَلأَذاه للنفس ، كما حرّم ما قبله لمضرّتها فِي الجسم لأن من حكمة الله فِي خلقه: أن من اغتذى جسمه بجسمانية شيء اغتذت نفسانيته بنفسانية ذلك الشيء: ( الكبر والخيلاء فِي الفدّادين أهل الوبر ، والسكينة فِي أهل الغنم ) . فلما جعل فِي الخنزير من الأوصاف الذميمة ، حرّم على من حوفظ على نفسه من ذميم الأخلاق . نقله البقاعيّ .
وقد كُشف لأطباء هذا العصر من مضار لحم الخنزير المبنية على التجارب الحسّية غير ما قالوه القدماء . فمن مضارّه: أنه يورث الدودة الوحيدة المتسبب من وجودها فِي الأمعاء أعراض كثيرة: كالمغص ، والإسهال ، والقيء ، وفقد شهوة الطعام ، أو النهم الشديد ، وآلام الرأس ، والإغماء ، والدوار ، واضطراب الفكر ، وعروض نوبات صرعية ، وتشنجات عصبية ، وإصابة مرض دودة الشعر الحلزونية الذي يفوق الحمّى ، ويودي بحياة المصاب ... ... إلى غير ذلك من التعب وعسر الهضم ، ومضار سواها .
قال حكيم: فالإسلام لم يأت لإصلاح الروح فقط ، بل لإصلاح الروح والجسم معاً . . ! فلم يترك ضارّاً لأحدهما إلا ونّبه عليه تصريحاً أو تلويحاً ... وقد بسط الحكماء المتأخرون الكلام على مضرات لحم الخنزير فِي مقالات عديدة .