قال النووي فِي"شرح مسلم": فإن قصد الذابح مع ذلك تعظيم المذبوح له ، وكان غير الله تعالى والعبادة له ، كان ذلك كفراً ، فإن كان الذابح مسلماً ، قبل ذلك ، صار بالذبح مرتداً . ذكره فِي الكلام على حديث علي رضي الله عنه: ( لعن الله من ذبح لغير الله ) .
قال الحراليّ: وذَكْرُ الإهلال إعلامٌ بأنّ ما أعلن عليه بغير اسم الله هو أشدّ المحرم ، ففي إفهامه تخفيف الخطاب عما لا يُعلم من خفي الذكر . وروى البخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت: إن قوماً قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: إن قوماً يأتوننا باللحم ، لا ندري أذكر اسم الله عليه أم لا ؟ فقال: ( سموا عليه أنتم وكلوه ) . قالت: وكانوا حديثي عهد بكفر . فكأنَّ المحرّم ليس ما لم يعلم أنّ اسم الله ذكر عليه ؛ بل الذي علم أنّ اسم الله قد أعلن به عليه .
وروي عن علي رضي الله عنه قال: إذا سمعتم اليهود والنصارى يهلون لغير الله فلا تأكلوا ، وإذا لم تسمعوهم فكلوا ، فإن الله قد أحلّ ذبائحهم وهو يعلم ما يقولون .
فصل
فيما لتحريم هذه المذكورات من الحكم والأسرار الباهرات
فأما الميتة: فقال الحراليّ: هي ما أدركه الموت من الحيوان عن ذبول القوّة وفناء الحياة ، وهي أشد مفسد للجسم ، لفساد تركيبها بالموت ، وذهاب تلزز أجزائها ، وعفنها ، وذهاب روح الحياة والطهارة منها .
وقال المهايميّ فِي"تفسيره": ثم أشار تعالى إلى أنه إنما يقطع محبته أكل ما حرّم ، وهو الميتة وما ذكر معها . فأما الميتة فلأنها خبثت بنزع الروح منها بلا مطهر من الذبح باسم الله ، تحقيقاً أو تقديراً فتتعلّق أرواحكم بالخبيث فتخبث ، فينقطع عنها محبة الله . وإنما أبيح ميتة السمك لأن أصله الماء المطهر ، فكما لا يؤثر فيه النجاسة ، لا يؤثر نزع الروح فيما حصل منه ، والجراد لأنّه حصل من غير تولد ولا خبث فِي ذاته كسائر الحشرات .